
تعليمية الفلسفة2
ماهي المقالة الفلسفية؟
هي نصٌ إنشائي
مرتبطٌ بموضوع فلسفيّ، وتدرسه للتعرف عليه بشكل دقيق، وتعرف أيضاً، بأنها: من
أنواع المقالات التي تهتم بدراسة إشكاليّة فلسفية، وتحليلها، وتلخيصها، وتوضيحها
لبيان الأسباب، والنتائج التي تترتب عليها، بالاعتماد على منهجيّة دراسية ثابتة،
تحتوي على كافة الإرشادات، والتعليمات التي تساهم في توضيح الفكرة الرئيسية التي
ترتبط مع المقالة الفلسفية. وعادةً يتم طرح المقالة الفلسفيّة على شكل مجموعة من
الأسئلة، أو النقاط التي تهتم بالموضوع الفلسفيّ، وتعالجه، وتوضح كافة الآراء
المرتبطة بهِ، بناءً على صياغة مجموعة من الفلاسفة أفكاراً فلسفيّة، والاعتماد على
دراستها، وتطبيقها في المجالات الفكرية التي حرصت الفلسفة على الاهتمام بها.
مضمون
المقالة الفلسفية
:
هو كافة
المحتويات التي توجد داخل المقالة الفلسفيّة، وتوضّح الموضوع الرئيسي الخاص بها،
وتتكون المقالة الفلسفية عموماً من المضمون التالي: الأسلوب اللغوي: هو أهم جزء من
أجزاء المقالة الفلسفية، ومن الواجب على الكاتب أن يكون دقيقاً في الكتابة
اللغوية، وواضحاً في صياغة الكلمات، حتى يتمكن من توصيل كافة الأفكار الفلسفية
للقراء بسهولة. الأفكار الفلسفية: هي القاعدة الأساسية للمقالة الفلسفية، والتي
تعتمد عليها بشكل مباشر، وعادةً تحتوي المقالات الفلسفية على أفكار تقبل النقد، أي
أن يطرحها مجموعة من الفلاسفة، ويبدون آراءهم بها. الحقائق: هي كافة الاستنتاجات،
والأشياء المرتبطة بالواقع، والتي تعتمد على مجموعة من الدراسات التي تم تطبيقها،
للوصول إلى حقائق فلسفية ثابتة. البناء الفلسفيّ: هو الذي يهتم بالالتزام بمبنى
المقالة الفلسفية الصحيح، ويحرص على معالجتها، وتوضيح الأفكار، والآراء الخاصة بها
بأسلوب منطقي، أي بالاعتماد على البراهين التي استند عليها الكاتب في صياغة مقالته
الفلسفيّة.
كيفية
كتابة مقالة فلسفية
:
حتى يتمكن كاتب المقالة الفلسفية من كتابتها بأسلوب صحيح، توجد مجموعة من الطرق الكتابيّة الفلسفية، التي تساعده في تصميم مبنى المقالة، ومنها:
الطريقة الجدلية:
هي التي تعتمد على دراسة مجموعة من الآراء المختلفة، حول موضوع فلسفيّ معين، وتعد من أكثر الطرق التي يستخدمها كُتاب المقالات الفلسفية، إذ توفر لهم القدرة على التعرف على طبيعة الدراسة الفلسفيّة التي اعتمدها الفلاسفة، وخصوصاً عند اعتمادهم على أسلوب المجادلة، والحوار وهذا ما تميز به أغلب فلاسفة العصور القديمة، والذين كانوا يتجادلون حول موضوع فلسفيّ لمدة زمنية طويلة، وقد لا ينتهي هذا الجدال بالوصول إلى نتيجة ثابتة.
الاستقصاء:
هي الطريقة التي تعتمد على البحث، من خلال اعتماد كاتب المقالة الفلسفيّة على دراسة كافة الأبحاث المرتبطة بموضوع المقالة، ويقسم الاستقصاء إلى ثلاثة أنواع، وهي: الاستقصاء الوضعي: هو الذي يعتمد على وضع مجموعة من الأسئلة، ضمن نص المقالة الفلسفيّة، ويجب أن تقترب كافة هذه الأسئلة من المنطقية، أي أن تكون نتائجها، أو إجاباتها قابلة للتطبيق ضمن موضوع المقالة الفلسفيّة. الاستقصاء بالرفع: هو الذي يعتمد على وضع قضية، أو فكرة غير منطقية، ولا ترتبط بالواقع، ويجب على الكاتب أن يحللها، ويحاول توضيح أسباب وجودها ضمن موضوع المقالة الفلسفيّة. الاستقصاء الحُر: هو الذي لا يعتمد على تطبيق النوعين السابقين، بل يعتمد بشكل مباشر على الاستنتاجات الشخصيّة الخاصة بكاتب المقال، بناءً على معرفته المسبقة بموضوع المقالة الفلسفيّة.
خطوات كتابة مقالة فلسفية:
توجد مجموعة من الخطوات التي يجب على كاتب
المقالة الفلسفية التقيد بها عند كتابة مقالتهِ، وهي: الاعتماد على فكرة فلسفيّة
ثابتة، وقابلة للدراسة. استخدام مفردات لغويّة سليمة قواعديّاً. التقيد بالنص
الفلسفيّ، والابتعاد عن كتابة تفاصيل إضافيّة. توضيح كافة النقاط التي يعتمد عليها
موضوع المقالة الفلسفيّة. كتابة جميع النتائج التي تمكن نص المقالة الفلسفيّة من
استنتاجها بالاعتماد على رأي الفلاسفة، أو اقتراحات كاتب المقالة.

تعليمية الفلسفة2
لماذا يجب تدريس الفلسفة لطلاب المدارس؟
إن الفلسفة فن التساؤل، وكثير من الدول الغربية يعلمون أولادهم في المدارس الأولى للأمومة بدايات الفلسفة والتفلسف بكلمة “أتساءل”، لأن السؤال مفتاح المعرفة، وفيه اكتشاف وابتكار لمعرفة جديدة.
يعاني طالب الفلسفة في بدايته في المرحلة الثانوية من معلمين أصحاب عقول متحجرة النمطية في الحفظ والتلقين، وفي سرقة عقول الطلاب بدعوى أن الفلسفة ما هي إلا حفظ وتلقين وليست معرفة وابتكار.
لذا يجب إعادة النظر في المناهج وربطها بالمتغيرات الحياتية، وتوظيفها عبر الممارسة مع الأنشطة المنطقية والعلمية.
هنا يجب أن نطرح سؤالًا ذا أهمية: “ما الفائدة التي يمكن أن تضيفها مادة الفلسفة في مدارسنا اليوم؟ وكيف نقوم بتدريسها بعيدًا عن الحفظ والتلقين؟”.
الفرق بين الفلسفة والسفسطة
إن الفلسفة ليست سفسطة، وإنما حب الحكمة أو محبة الحكمة، وهذه الحكمة قد تكون نظرية وقد تكون عملية، إذ إن الفلسفة تعلم الإنسان طرق التفكير المنطقي الصحيح، وتبصّره بهيكل القيم الأخلاقية الموجودة في المجتمع، وتقدم له توعية سياسية متكاملة، وذلك بفضل دراساتها الطويلة للنظريات والفلسفات السياسية المختلفة عبر التاريخ، كما أنها تغرس فينا حب الجمال ومحبة الفنون الجميلة.
هناك من يصف الفلسفة بالسفسطة، هؤلاء أناس يبعدون كل البعد عن الحقل الفلسفي وغير متخصصين، فهؤلاء جهلاء بالفلسفة من حيث المعنى والدلالة.
هناك من ربط الفلسفة بالفكر السوفسطائي بكل اتجاهاته وتياراته، يتلاعبون بالألفاظ، ويخسرون في الحقيقة من أجل تحقيق نفع لهم ومكاسب مادية، فهم من قالوا بنسبية المعرفة، وهاجموا الآلهة، ونادوا بعدم قدسية القانون، وغيرها من الآراء الهدامة.
إن سقراط هاجم الفلسفة السوفسطائية في عصرها هجومًا شديدًا، فهو الذي حدد المفاهيم والمصطلحات، وأعاد للدين قدسيته وللقوانين أهميتها، وعدَّ نفسه معلمًا مستخدمًا منهج “التهكم والتوليد”؛ علمٌ بالحقيقة وادّعاء بجهلها، كانت محاولةً لإخراج الفساد السوفسطائي من عقول الشباب والعمل على ترسيخ مفاهيم فلسفية جديدة تناقض الفكر السوفسطائي.
مفهوم الحكمة في الفلسفة
قد تكون الحكمة سياسية، تقودنا إلى توجيه الدولة توجيهًا سليمًا لتحقيق الأهداف المرجوة منها، وتلبية أمانيها وآمالها من أجل إسعاد أفراد الدولة، وغياب الحكمة سياسيًا يؤدي إلى تدهور الدولة وانهيارها، مثلما حدث في كثير من الدول مثل العراق وغيرها.
أما الحكمة بالمعنى الأخلاقي تكمن في توجيه الفرد والمجتمع توجيهًا أخلاقيًا سليمًا بعيدًا عن كل أشكال وأنماط الانحراف، وكل أنواع الجرائم، ويتيح لهما كل طرق الخير والابتعاد عن كل شر، من أجل تحقيق السعادة، فالسعادة مطلب أخلاقي.
أما الحكمة بالمعنى الاقتصادي وسط بين الإسراف السفيه وبين البخل والتقتير، لمواجهة الكوارث الطبيعية أو الحوادث الإنسانية.
العلاقة بين الحرية والفلسفة
إن الفلسفة صنو الحرية، بل هي الحرية ذاتها، فالأمم والحضارات التي ولت وانتهت لن تجد فيها أي فكر فلسفي، فالفكر الفلسفي وليد الحرية، وينتج عن تلك الحرية اختلاف في وجهات النظر، وتعدد في الآراء والرؤى وتعدد في المذاهب والنظريات.
الفلسفة لا تعيش إلا في جو مفعم بالحرية، مبتعدة تمامًا عن كل قسر وضغط، فلا فلسفة بدون تأمل ولا تأمل بدون حرية.
لذا ظهرت الفلسفة في بلاد اليونان، فكانت ثرية متدفقة وحية، أنتجت فكرًا وحوارًا مختلفًا عن أي حضارة أخرى، وعرفت الحرية الفكرية التي تمثلت في محاورات سقراط وإصلاح عقول الشباب من الفساد السوفسطائي، إذ كان محاورًا ومجادلًا في محاربة الأفكار التي أشاعها رجال الحكم آنذاك، وأيضًا أفلاطون كتب محاوراته بطريقة فيها حرية.
الدهشة أصل الفلسفة
إن منبع الفلسفة قديم قدم الإنسانية، فهناك تأمل وتفلسف في الكون منذ أن وُجِد الإنسان، فالفلسفة دعوة للدهشة، والدهشة أم الفلسفة، تدعوه إلى التساؤل والتأمل، وإلى محاولة أن يفهم ما حوله ومعرفة الأسرار المحيطة به، والكشف عن غموضها، ومعرفة أسبابها.
ما دام الإنسان يمتلك العقل فهو يتميز بالروح الفلسفية، وهذه الروح هي الرغبة في البحث، وهي دائمًا في حالة تساؤل، فالفلسفة فن التساؤل، وكل سؤال يستدعي سؤالًا فلا تعطي جوابًا نهائيًا.
الفلسفة ليست متجمدة ولكنها متجددة ومبتكرة، دائمًا ما تسأل “لماذا؟”، وذلك لا يكون إلا في الإبداع والابتكار والتجديد.
إن الفلسفة تؤدي إلى تحسن كبير في القدرات المهاراتية للطلبة، فهي تتعلق بتعديل السلوك ومحاربة التشدد والعنف والتطرف الفكري، وتعمل على تنمية القراءة وكيفية التحدث مع الآخر بشكل إيجابي وفعال، هي انعكاس للمجتمع ككل سواء كان مدرسيًا أو مجتمعيًا أو أسريًا.

تعليمية الفلسفة2
كيف نمارس الدرس الفلسفي؟
لطالما كان الإشكال الأساسي المرتبط بالفلسفة نابعاً من داخلها ومنحصراً في حدودها، وهو:
هل ندرس الفلسفة عبر تاريخها أو عبر أداوتها؟ بمعنى آخر: هل ندرس الفلسفة أم نمرن على ممارسة التفلسف؟
حتى إن الإلحاح على طرح هذا الإشكال قد غشى على الرؤية الفلسفية وأفقدها بعد النظر، وليس هذا البعد إلا انعتاقاً من أغلال الداخل الذي ما يبرح يستبد بكل سؤال وإشكال، فنعتقد أن كل ما يجب أن نطرحه بخصوص تدريس الفلسفة ينبغي أن يكون مستقى من الفلسفة ذاتها، وما يرتبط بخارجها بجب دفنه وقبره والتنصل منه، لأنه عائق أمام الفلسفة والتفلسف معا، وهذا دفع الفلسفة إلى الانحشار في دائرة العوالم المتعالية الفاسحة، والتي – بفساحتها – تتضايق وتتشنج، لأنها تظل محدودة، ومحدوديتها يفضحها الواقع، إذ إن الأفكار المتعالية التي لا ترتد إلى الواقع وتعكسه وتنعكس فيه تتلاشى حتماً حينما تلتقي به أو حينما تصطدم بأهواله وتعقيداته وتشعباته، فلا عجب أن تترفع هذه الأفكار وتتجرد عن الواقع طالما أنها تضمن بقاءها واستمرارها عبر تاريخ الفلسفة الذي خلدها وطالما أنها تتقوى وتتعزز عبر العمل بالأدوات التي أنتجتها من تأمل وتفكير ودهشة وسؤال وشك، والانكباب على ممارستها بشكل لا يغير وضعاً ولا يضيف شيئاً.
فلا التذرع الأول ينفع الدرس الفلسفي من الحشو المتخم والشحن بالمعلومات الفارغة من المعنى والغارقة في المثالية والمستغرقة في التجريد وحشرها بطريقة عبثية تؤدي إلى تناثرها وتشتتها، ما يجعل الفلسفة مادة مملة جالبة للضجر، وليس أضر بالفلسفة من خطاب لا هو يحض على الفعل ولا هو يذكي الانفعال، لا هو يحادث العقل ولا هو يحرك العاطفة، فهذا إذا لم يحول الفلسفة إلى مادة مكروهة فإنه يجعلها مدعاة للسخرية على تشابكاتها وتعقيداتها ومحط الازدراء من مقوليها ومدرسيها.
ولا التذرع بالثاني – أي ممارسة التفلسف – يشفع لها بأن تكتسب شرعية احتواء الواقع ما لم تساهم في تغييره، إن على مستوى الأفكار عبر تبديد المحنط منها وتفتيت المتحجر فيها أو عبر محاربة التفاهة ومجابهة البلاهة ومقارعة الغباوة والسخافة، وإن على مستوى الأفعال عبر تقويم السلوك المعوج وتسديد الخلق وتخليق الفعل والتشجيع على الإبداع والابتكار والإنشاء.
وإن نحن صرفنا التفكير في هذين التذرعين اللذين يتخذهما الدرس الفلسفي ممرا من أجل استمراء الكيفية التي ينقل بها المحتوى الفلسفي، قصد استنهاض ما يجب استنهاضه من كفايات ومهارات وقدرات تستلزمها الممارسة الفلسفية سواء الفصلية منها أو خارج الفصلية، فإننا نكون بالفعل خارج الفلسفة، وهذا الخارج يعج بأشكال لا فلسفية أو البوب – فلسفة كما يصفها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، لكن ما ليس فلسفياً لا يعني بالضرورة أنه مضاد أو معاد للفلسفة، بل قد يكون داعماً لها شريطة أن تتخلص من نخوتها وتشامخها، وعلى الفيلسوف (المدرس) – حسب دولوز – أن يكون لا فيلسوفاً حتى تصير اللافلسفة أرض الفلسفة وشعبها. إن اللافلسفي يعني الخروج من الفلسفة عن طريق الفلسفة، فلا يجب أن نغالي – والأمر هكذا – في الإقرار بأن طرق تدريس الفلسفة ديداكتيكيا يمكن أن نغترفها من وعاء نظرياتها وأفكارها وتاريخها أو نمتحها من معين أدواتها وأساليبها وأنماط التعبير عن نفسها ضاربين بالصفح عن كل ما يحيق بالفلسفة من تشكيلات واقعية تنبثق من الوسط الشعبي حيث ينم تداول الفلسفة – وإن بشكل غير مباشر – عن وجود فلسفة بالفعل، أو بالأحرى وجود مادة غنية وثرية يمكن أن نكتنزها بغية خدمة الدرس بما يساهم في تحريك مشاعر المتعلمين بالاتجاه الذي يكفل لهذا الدرس أن يحظى بمزيد من الإقبال والتفاعل، على اعتبار أن الوتر الحساس الذي يجب اللعب عليه إنما يكمن – بالدرجة الأساس – في الانطلاق من الواقع اليومي والمعاش للمتعلم لأشكلته ودب روح التفلسف في تجاويفه، أما عكس ذلك، فلا يمكن أن يؤدي بنا إلا الى الجمود والانقباض، إذ لا يعقل أن نطمح إلى توليد معرفة عالمة من المتعلم عن طريق توظيف المعرفة العالمة نفسها، فنحن نتوخى تحقيقها لا الانطلاق منها.
يحق لنا أن نقول إن الواقع ينطوي على فلسفة تقتضي استبصاراً ونظراً عميقاً لاستخلاصها واستقرائها، وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت المفاهيم والإشكالات الفلسفية التي تطرح داخل ردهة الدرس تصل صلتها بالواقع، وهذا ما يمكن أن نسميه بالفلسفة الواقعية – الشعبية Philosophie réaliste populaire، لكن، هنا يخامرنا إشكال تتفرع منه مجموعة من الأسئلة وهو: إذا كانت الفلسفة تنطلق من الواقع فهل ذلك ينتفي مع مبادئها ويتناقض مع أسسها العقلية والمنطقية؟ أو بعبارة أخرى، هل عودة الفلسفة إلى الواقع خيانة لذاتها خصوصاً وأنها كانت إلى وقت قريب تحتقره وتنشد المثل المجردة؟ هل الواقع يتكلم الفلسفة؟ وإذا كان يتكلمها فكيف؟ وأين تتبدى فيه؟ هل تتبدى فيه لأنه يطرح إشكالات بخصوص ما يحدث فيه باستمرار أم لأنه يثوي نمطاً من التفكير يمكن للفلسفة أن تقبل به؟ وإذا كان هناك من نمط فماذا يكون؟ وهل ما تفعله الفلسفة في الواقع هو محض استشكال أم محض تغيير أم هما معاً؟ وهل تتلين صلابة الفلسفة إذا احتكمنا فيها إلى ما هو شعبي؟ وهل ما هو شعبي هو بالضرورة؟
هذا السؤال الأخير ينقلنا إلى قضية أخرى لا تنفصل بتاتاً عن مفهوم اللافلسفي في الدرس الفلسفي، فإذا نحن حددنا الشعبي فيما يتفاعل الناس حوله وداخله ويطيب خاطرهم له ويستروحون به فإننا نوسع دائرة اللافلسفي لتشمل ما ليس واقعيا، واللاواقعي لا يعني ما هو خيالي دائماً، بل قد يعني ما يتجاوز الواقع تجاوزاً يكاد معه يظهر في حلة لا يظهر بها في الحقيقة، أو يتبدى فيها مجزءاً وبسيطاً، ولبساطته يتخفف من أثقال التعقيد وأعباء التفاصيل التي لا طائل يرجى منها، وأقصد هنا نوعين من اللافلسفة: النوع الأول يمكن أن نسميه بالفلسفة عبر الوسائط الفنية والأدبية كالسينما والرقص والعمارة والأدب والرسم… والنوع الثاني يمكن أن نسميه بفلسفة الميكرو حيث تسلط الأضواء على مواضيع جزئية تقع ضمن اللامفكر فيه داخل المجتمع لمجرد أنها تتكرر وتمارس بشكل اعتيادي كمواقع التواصل الاجتماعي والأكل والمشي والكلام… فضلاً عن الشق التي تحدثنا عنه سابقاً والمتعلق باليومي والواقعي.
إن سعي الفلسفة الحثيث إلى التخلص من أثقالها النسقية قد تكلل في آخر المطاف بالنجاح، خصوصاً أن الفلسفة النسقية التي كانت سائدة في فترة من الفترات ذبلت أوراقها نتيجة تغير المناخ الاجتماعي والاقتصادي، ما عدد أوجه الواقع، حتى بتنا نتحدث عما يسميه جان بودريار بفائض الواقع أو الواقع السوريالي، بحيث إن التعامل معه أضحى في غاية الصعوبة، وهذا لا يعني أن الانفتاح عنه يدفع الفلسفة إلى تبني هذه الصعوبة، بل بالعكس، فالأهم منها ليس تحليل الواقع المعقد والمتشابك، فهذا من اختصاص السوسيولوجي، بل تنحصر مهمتها في أشكلته عن طريق إبراز مفارقاته وتناقضاته التي تكتنف أحداثه، وفي مفهمته كذلك عن طريق كشف المفهوم المتواري خلف هذه الظواهر، فأن نتحدث عن الحرية مثلاً يعني أن نعتمد على وضعيات اجتماعية تحمل في طياتها معنى الحرية وإن بشكل مضبب ومشتت، فنلحظ تباين الآراء والمواقف حول هذه الوضعيات، والأكيد أنها ستختلف وتتباين، وفي اختلافها وتباينها تناقض، والتناقض هو مرتع الإشكالات، فنطرح السؤال عن ماهية الحرية، حينئذ يتسنى لنا الانتقال إلى تحديد المفهوم فلسفيا بعد تحديده واقعياً، والتحديد الفلسفي للمفهوم لا يعني أبداً القطع مع الواقعي منه، بل بعد تحديده نعود الى البحث عنه مجدداً في الواقع، أو نستخدم ونوظف في سبيل توضيحه وإبرازه وسائط لا فلسفية كاستحضار فيلم أو الإتيان بصورة أو بلوحة فنية تضمر في داخلها المفهوم، وهذا يتيح للمتعلم إمكانيتين: الأولى الانخراط في النقاش العمومي الذي تدور رحاه حول مفاهيم اجتماعية كالحرية أو سياسية كالسلطة أو أخلاقية كالتسامح… الشيء الذي يمكنه من ممارسة الفلسفة بحيث تبقى راسخة عنده كفعل لا كمعلومات. الثانية هي تدريبه على التأويل والنظر العميق إلى الأشياء، فليس من السهل أن نستخرج الفلسفة من اللا فلسفة، فالسينما مثلا تعرض فيلماً يتضمن فحوى ومحتوى معيناً لا تعلنه في السيناريو مباشرة، بل يترجم إلى أحداث ووقائع تثوي المفهوم والإشكال.
إن الفلسفة الشعبية التي ننشدها تنفر من الانكباب في التفكير في المفاهيم الكبرى المجردة التي يشبهها دولوز بـ "الأسنان المسوسة "، فـ"فلسفة البوب" لا تلوذ إلى داخل المفهوم فتحفر فيه بأدواتها الثقيلة، بل تبحث عنه في خارجها، إنها لا تنقب في المراكز بل في الهوامش، في المسودات، هي دعوة إذن إلى الانعتاق من أسر الفلسفة التقليدية النظرية والأكاديمية التي اشتطت بالتفكير الإنساني وجمدت عمله هناك خارج الواقع حيث لا توجد فلسفة، بل كل ما يوجد هناك هو أصنامها وأوثانها المقدسة، إن اللافلسفي إذن هو خروج من الفلسفة عن طريق الفلسفة ذاتها.

تعليمية الفلسفة2
البنية التعليمية للفلسفة
تطرح عادة في البيداغوجيا ثلاث أسئلة : ماذا ندرس؟ كيف ندرس؟ لماذا ندرس؟ وهي ثلاثة أسئلة متعلقة بمضمون المادة ومنهجية التدريس، والأهداف التي يستدعى إليها تدريس مادة الفلسفة كنموذج.
مضمون المادة:
ففي فرنسا مثلا بلد التنوير ومهد الفلسفة العقلانية والتي بدأ فيها تدريس الفلسفة في إطار سعي الجمهورية الفرنسية نحو ترسيخ قيم العلمانية والتأكيد على التكوين العمومي، وينقسم برنامج الفلسفة الفرنسي مثلا إلى:
1. الذات: وتحتوي على الوعي والإدراك واللاوعي، والغيرية والربة، والوجود والزمن.
2. الثقافة: وتضم اللغة والفن، العمل والتقنية والدين والتاريخ.
3. الثقافة والواقع: ويتكون هذا المحور من النظرية والبرهنة والتأويل، والحي والمادة والروح والحقيقة.
4. السياسة: وتحتوي المحور على مشكلات، المجتمع والعدالة والقانون والدولة.
5. الأخلاق: ويدرس التلميذ فيه على الحرية والواجب والسعادة.
أما البرنامج الجزائري فبالعودة إلى كتب المرحلة النهائية وخاصة كتاب القسم النهائي فتمت تقسيمه إلى إشكاليات وكل إشكالية تضم مشكلات وعدد هذه الإشكاليات أربع:
1. في إدراك العالم الخارجي (الإدراك والإحساس اللغة والفكر، الشعور اللاشعور، الذاكرة والخيال، العادة والإرادة).
2. الإشكالية الثانية: الأخلاق الموضوعية والنسبية: الأخلاق بين النسبي والمطلق، الحقوق والواجبات والعدل في العلاقات الأسرية والنظم الاقتصادية والسياسية، في الشخصية الجماعية والشخصية الفردية وكرامة الإنسان).
3. الإشكالية الثالثة في فلسفة العلوم: العلم والفلسفة الرياضيات والعلوم التجريبية، علوم الإنسان والعلوم المعيارية، في الايبستمولوجيا وقيمة العلم.
4. الإشكالية الرابعة: في الفن والتصوف بين النسبي والمطلق: ويحتوي على مشكلتين: في الآثار الفنية والتجربة الذوقية، في التصوف بين النسبي والمطلق) (حسين بن عبد السلام وآخرون، إشكالات فلسفية، 2007 )
أما بالنسبة للبرنامج التونسي مثلا ويحتوي على محاور:
1. الآنية والغيرية، 2. التواصل والأنظمة الرمزية، 3. الخصوصية والكونية، 4. العلم بين الحقيقة والنمذجة، 5. العمل: النجاعة والعدالة، 6. الدولة: السيادة والمواطنة، 7. الأخلاق: الخير والسعادة، 8. الفن: الجمال والحقيقة.
أما البرنامج المغربي فلا يختلف كثيرا عن البرنامج الفرنسي إذ يعد نسخة منه ويحتوي (ما الإنسان، ويحتوي على أبواب (الوعي، الرعية) (ما للغة؟ اللغة والفكر، اللغة والسلطة) ثم الباب الرابع: المجتمع، التنمية والعلم، التنقل، التبادل، الفن) (لجنة تأليف مشتركة في الكتاب المدرسي التونسي للفلسفة، 2009)
منهجية تدريس مادة الفلسفة:
هناك عدة طرق لتدريس مادة الفلسفة:
- أولا: الطريقة الإلقائية ويتحول فيه الأستاذ إلى محاضر والتلاميذ إلى مستمعين.
- ثانيا: الطريقة الحوارية ويعتمد على طرح الأسئلة والتلاميذ يجيبون.
- ثالثا: طريقة اعتماد الوضعية الاستكشافية ثم القيام بمهام تدور حول نص فلسفي، وإجراء مهام يطلب من التلاميذ القيام بيها داخل القسم.
في البرنامج المغربي مثلا فيعتمد أستاذ الفلسفة على أنشطة ودعامات مرتبطة بوضعية الانطلاق (تضم المقولات، الجهاز المفاهيمي، تأمل الوضعية المشكلة وأسئلة الفهم والتحليل والفهم والمقارنة، والمناقشة وإختبار المكتسبات والتمرن على الكتابة الفلسفية (أنظر إلى إرشادات تيسر استعمالك للكتاب المدرسي، ص 04)( من كتاب المنار لتدريس الفلسفة، 2007 ).
وفي الكتب المدرسي التونسي تم إعتماد منهجية تعليمية إعتمدت اللجنة المؤلفة للكتاب على مداخل وسندات ودعائم وكيفيات ونصوص للتفكير، ففي مدخل إلى التفكير إختارت اللجنة الملحمة الصورة والشعر لبيان تجذر القضايا الفلسفية في الإنتاج الإنساني بمختلف تلويناته وتم إعتماد سندات التفكير من حواشي وسياقات تهدف إلى إثراء زاد المتعلم وتمتينه كما عمدت اللجنة المؤلفة إلى فتح أفاق للمطالعة في شأن المسائل الفلسفية المطروح بشكل نصوص وفي كيفيات التفكير تختبر قدرات تفكير التلميذ من خلال مسار متعدد العناصر في سبيل تنمية القدرة على الكتابة الفلسفية وعلى تحرير مقال. (كتابة الفلسفة للسنة الرابعة من التعليم الثانوي، لجنة تأليف مشتركة، 2009، ص 03-04).
لماذا ندرس الفلسفة؟
ما هي أهداف تدريس الفلسفة:
جاء في مقدمة الكتاب المدرسي للفلسفة في الجزائر مايلي: تحقيق كفاءات في:
1. تأصيل روح التفتح والاعتدال في إبداء المواقف أو الرأي، ومرونة التصرف مع الآخر.
2. إدماج الفرد في الكيان الاجتماعي العام عضوا ناجحا، منتجا وفعالا.
3. عقلنة أساليب التعامل مع الأفكار والوقائع والأشياء بما يسير التكيف معها وذلك بتمكين الفكر من تنمية منهجيته الصورية والتحليل والتركيب والنقد والاستدلال.
4. ترقية أنماط البحث والتقصي على أساس من جربي الموضوعية العلمية.
5. تفعيل الجانب العلمي في التصدي لمختلف المشكلات والسعي إلى حلها.
أما في البرنامج المغربي فيتحدث واضعو البرامج على مقاصد:
- الارتقاء بمستوى تعلمك من التعرف والاستئناس بالخطاب الفلسفي إلى مستوى التمرن على مهارات وأسئلة فلسفية جديدة وولوج فضاءات فلسفية أوسع تساعده على تطوير مكتسباتك من معارف ومهارات فلسفية، واستثمارها في تهذيب سلوكك وتعديل مواقفك والتمرن على تداول الفلسفة قولا وكتابة.
- مراعاة التكامل بين المواد التعليمية تقاطعا وتداخلا لتنمية كفاءاتك.
- الإستراتيجية والتوصلية والمنهجية....إلخ.
- اعتماد أنشطة ودعامات تساعدك على الانفتاح على محيطك ومساءلة بداهاته.
- ترسيخ المبادئ والقيم الإنسانية واستدماجها في المواقف والسلوكات والتشبع بممارستها. (د. محمد مزوز وآخرون، ص 05، 2007).
وفي خضم الحديث عن القيم يمكن القول بأن التربية على القيم تدخل بشكل قوي ضمن البيداغوجيا المعاصر والمطلب هو تحويل الشخصية المتعلمة إلى كائن اجتماعي متفاعل مع العالم يقيم حداثية. (عبد اللطيف الخميسي، 07، 2013).
إن القيم تتخذ في الدرس الفلسفي، قضية ديداكتيكية تحتاج أساسا إلى توجيه الممارسة الفلسفية نحو إيجاد ترابط بين القيم المطلقة وإمكان تمثلها وفهمها وتعلمها. (عبد اللطيف الخميسي، ص62)، وتأسس التربية على القيم داخل الفلسفة على أساسيات تراهن على كشف ماهية المفهوم القيمي ومفارقاته وفق ضرورات وهي:
1. كيف يتمثل المتعلم القيمة من خلال وضعية – مشكلة، تهم الحرية، والخضوع، إرادة التسامح، وفرض الذات مثلا؟ (مفارقة أو علاقة الذات بالعوائق).
2. كيف برهن النص على القيم الأساسية لدى فيلسوف محدد؟ وما فاعلية ذلك بالنسبة للمتعلم؟
3. كيف تتوافق قيم النص، الفيلسوف مع تمثلات المتعلم وإشكالاته الواقعية واليومية (حوار القيم مع الواقع).
4. إدراك عوائق تشكل القيم داخل الواقع.
5. نقد الواقع السائد من خلال هذا المفهوم القيمي.
6. إمكاناته في إنجاز أو تطبيق القيمة على وضعيات مشابهة. (عبد اللطيف الخميسي، ص 62-63) .
ديداكتيك الكفاءات
1. نشأة الكفاءات:
عندما انشغلت المدرسة بتشكيل الكفاءات أعطت الأسبقية والأولوية للموارد: قدرات، معارف، كما اهتمت من ناحية أخرى بمكونات بعض الكفاءات ولم تهتم بتوظيف هذه الموارد في وضعيات معقدة. ( محمد شرقي، ص61، 2010).
يتعلم الأطفال خلال مرحلة التمدرس الأساسية القراءة والكتابة والحساب ويتعلمون أيضا البرهنة والشرح والتلخيص والملاحظة وطريقة المقارنة والعديد من القدرات العامة ويحصلون على معارف رياضية، تاريخية وجغرافية وأدبية، لكن المدرسة لا تركز على حاجية ربط هذه الموارد بوضعيات محددة من الحياة.
إن ديدكتيك الكفاءات يهدف إلى تحقيق منافع عملية للمتعلم بمواجهة الصعوبات التي تعترضنا في الحياة والحصول على عمل جيد والمحافظة على الصحة، وهكذا فالتوجه الحالي للكفاءات يتمحور حول مسلمتين:
1. نقل وتعبئة القدرات والمعارف ليس شيئا معطى بل يجب صقلها وترينها، وهذا يتطلب وقتا، مسارات ديداكتيكية ووضعيات ملائمة.
2. لا نعمل على النقل داخل المدرسة ولا نعطي الأهمية للتمرين (تمرين القدرات)، يحصل التلاميذ مجموعة معارف فقط من أجل الامتحان ولا يعملون على تعبئة مكتسباتهم في وضعيات من الحياة في العمل وخارجه (عائلة، حي، هوايات..). (شرقي، ص 26).
إن المقاربة بالكفاءات هي طريقة من أجل أخذ إشكالية نقل المعارف، وهي إشكالية قديمة بنوع من الجدية، إذ أنها تعتبر صياغة جديدة لبيداغوجيا الأهداف ومن مميزات هذه الطريقة مايلي:
· إنها بيداغوجية وليست مقاربة؛
· خلفيتها النظرية هي السلوكية؛
· تطبيق معادلة: مثير/ إستجابة؛
· ترفض الأخطاء والتمثلات؛
· انطلاق الأستاذ من أهداف لا يقبل بديلا عنها؛
· الأهداف عامة تقطع إلى إجرائية؛
· التعليم متمركز حول الأستاذ والمادة؛
· الأستاذ هو صانع الدرس ومالك المعرفة؛
· إتباع طرائق بيداغوجية تقليدية؛
· التلقين والتقرير؛
· حوار عمودي: الأستاذ يسأل والتلميذ يجيب؛
· الأستاذ هو المؤهل الوحيد لتصحيح التلميذ؛
· تبليغ المعرفة بطريقة اتصالية؛
· التعليم قائم على معرفة المعرفة؛
· تهتم بالجانب الكمي للمعرفة؛
· تقتصر على المعارف التصريحية؛
أما المقاربة بالكفاءات (APC) فإنها:
· مقاربة وليست بيداغوجيا
· خلفيتها النظرية هي العلوم المعرفاتية(Sciences Cognitives) وبيداغوجيا الإدماج وبيداغوجيا التفعيل؛
· تطبيق معادلة: تحفيز/ تعليم الذات؛
· تعتبر الأخطاء والتمثلات من مكونات المعرفة؛
· انطلاق الأستاذ من أهداف يمكن تعديلها؛
· الأهداف في شكل كفاءات يتم اكتسابها أو تنميتها؛
· التعليم متمركز حول المتعلم؛
· الأستاذ مسهل ومصاحب ووسيط؛
· إتباع طرائق بيداغوجية فعالة؛
· المزج بين التلقين والحوار؛
· حوار راجح يمنح المتعلم حق السؤال والجواب: وحوار أفقي بين المتعلمين الذين يتبادلون الرأي؛
· المتعلم قادر على وعي سيروراته المعرفية وتصحيح أخطائه وتعديل تمثلاته بالاستعاب والملائمة والإدماج، أي عن طريق الميتا-معرفية والانعكاسية؛
· بناء المعرفة والدرس بطريقة تواصلية؛
· التعليم/ التعلم قائم على معرفة الفعل أو المهارة ومعرفة الكينونة إضافة إلى معرغفة المعرفة؛
· تهتم بالجانب الكيفي؛
· ترتقي إلى المعارف الإجرائية والشرطية؛
هذا باختصار الفرق بين بيداغوجيا الأهداف والمقاربة بالكفاءات كما وضحها د.الفربي اسيلماني في كتابه المعين في التربية، الجزء الأول، ص 229، 2016).
في مفهوم الكفاءة
تحديد مفهوم الكفاءة:
لقد غزا مفهوم الكفاءة الخطاب البيداغوجي المعاصر، حيث صار حاضرا في معظم أعمال الباحثين وفي جل تعابير المدرسين وفي مختلف النصوص الرسمية الخاصة بإرشاد وتوجيه المدرسين، لكن هذا المفهوم قد ظهر، في بداية الأمر، في الخطاب المرتبط بعالم المقاولة والشغل، ثم انتقل بعد ذلك إلى عالم الدراسة والتعليم عن طريق التكوين المهني الأساسي والمثمر. (عبد اللطيف الجابري، 34، 2009).
في هذا الصدد يجب أن نشير إلى وجود بون وشاسع بين استخدام مفهوم الكفاءة في عالم الشغل وبين استخدامه في العالم الدراسي ففي عالم الشغل والمقاولة يقابل هذا المفهوم مفهوم التأهيل، فيصبح الذي يلج هذا العالم هو ذلك الذي يتوفر على شهادة تأهيلية، تثبت تحكمه في مجموعة من المهارات العلمية والتقنيات التي اكتسبها وحصل عليها خلال تكوين معروف ومعترف به.
نستخلص مما سبق أن مفهوم الكفاية يتشكل من العناصر التالية:
· التكيف الفعال مع الوضعية: الشخص الكفء، هو ذلك الذي يستطيع مواجهة وضعية غير منتظرة وغير معروفة بفاعلية، في ميدان معروف.
· الكفاءة دائما تكون فردية وتنتمي لفرد معين، ولا تنفصل عن شخصيته وعن حياته المهنية ويستخدمها في مواجهة وضعية معينة.
· يصعب معرفة مماذا تتشكل كفاءة الفرد، فهي عادة ما تتحدد من خلال ما يمارسه هذا الفرد وما ينجزه من مهام ناجحة.
يتم التركيز بالدرجة الأولى، ليس فقط على اكتساب المعارف والمهارات العملية ولكن على القدرة على تجنيد وتعبئة تلك المعارف والمهارات العملية وتجميعها من أجل الاستجابة لوضعية دائمة جديدة. (عبد اللطيف الجابري، 36).
بناءا على ما سبق، يتبين لنا أن هناك تعاريف عديدة ومختلفة لمفهوم الكفاءة نجدها في الأدبيات البيداغوجية وفي معظم النصوص الرسمية، ويمكن ان نشير إلى بعضها:
الكفاءة هي:
· الاستعداد لتوظيف مجموعة منظمة من المعارف والمهارات العملية والمواقف في إنجاز عدد معين من المهام«مرسوم 24 جوان 1997 الذي يحدد مهام المدرسة الفرانكفونية ببلجيكا».
· القدرة على العمل الفعال في فئة محددة من الوضعيات (بيرينوا Pereno، 1997).
· بالنسبة لراي وأصحابه «القدرة على إنجاز مهمة معينة»( راي Rayوآخرون، 1996).
من خلال هذه التعاريف يمكن أنم نجمل نقاط الاشتراك في عنصرين رئيسيين هما:
· الكفاية تربط بالضرورة بإنجاز عمل أو نشاط معين: ففي التعريفات السابقة الذكر، نجد تعريفين يستعملان كلمة عمل بينما في التعريفين الآخرين، يستخدمان كلمة إنجاز.
ومن المؤكد أن كلمة "العمل" المقصود هنا، العمل اليدوي والعمل الفكري. (عبد اللطيف الجابري، 37)
خصائص الكفاءات:
يتضمن الكفاءات خصائص عديدة ونشير إلى أن أصل الكفاءة هو اللسانيات والخصائص الأساسية هي:
· الكفاءة إجرائية وغائية: إننا أكفاء من أجل مهمة أو مجموعة من المهام، ومادامت الكفاءة فعلا له غاية ومقصدية، فإن من واجب المدرس أن يحفز المتعلمين للقيام بأنشطة صالحة للاستعمال، أي أنشطة يدركون فائدتهم بأنفسهم، إذ إن التعليم الحقيقي ليس هو التخزين، وللكنه قدرة المتعلم على إعطاء معنى للمعرفة وقدرته على استعمالها. (أعمر اسلماني، 2017).
· الكفاءة متعلمة ومكتسبة: إننا نصير أكفاء من خلال بناء شخصي وإجتماعي يدمج ويؤلف بين التعلمات النظرية والتعلمات التجربيبة.
· الكفاءة مبنية: إن التعلم ليس تخزينا للمعرفة من طرف شخصا يتلقاها بطريقة سلبية، ولكن التعلم نشاط ذهني وبنائي للشخص الذي ينبغي أن يصدر ردود فعل إيجابية وبالتالي فإن الكفاءة باعتبارها قدرات ومعارف تجد أحد مرتكزاتها في البنائية.
· الكفاءة افتراضية ومجردة: إن الكفاءة غير قابلة للملاحظة وما نلاحظه هو مجرد تمظهرات وتجليات للكفاءة، فالخاصية البنائية للكفاءة تعني خاصية التجريد، ذلك أن الكفاءة معطى ذهني مجرد لا نلمسه إلا من خلال الممارسة والفعل. (أعمر اسلماني، 2019).
· الكفاءة هي معرفة التوليف: إن الإنسان الكفء هو الذي يتمكن من انتقاء العناصر الضرورية من فهرسة موارده المعرفية، وبالتالي يقوم بتنظيم هذه العناصر وتوليفها وتحليلها بهدف تحقيق نشاط ما.
· خاصية التحويل: عن كل كفاءة هي موارد قابلة للتحويل والملائمة وقد يكون التحويل قريبا يخص وضعيتين منتمين إلى نفس السياق الموضوعي (الجبر، الإحصاء، الجغرافيا) أو تحويلا بعيدا يخص وضعيتين تعتبران متباعدتين من الناحية المبدئية (الفلسفة والفرنسية والتربية الإسلامية).
· خاصية الانتقاء: إلى جانب التجنيد والتحويل، ولابد من انتقاء العناصر التي تكون مناسبة للمقام، وتعطي مردودية في التعامل مع الوضعية التي يجد الفرد نفسه متورطا فيه.
· خاصية المبادرة: على الفرد الكفء أن يكون قادرا على المبادرة ونقد النتائج التي ينتهي إليها وتقويمها من أجل الاستفادة منها. (أعمر اسلماني،220).
· خاصية الم: إن نتائج الكفاءة قد تكون مبنية بطريقة فردية كما تبنى بطريقة جماعية.
الأصول الفلسفية والنظرية للتدريس بالكفاءات
هناك مرجعيات نظرية (أي فلسفية) ترتكز عليها طريقة التدريس بالكفاءات وينمكن تلخيصها في البراغماتية والبنيوية والسلوكية والنيولبيرالية (أو الليبرالية الجديدة).
1. الفلسفة البراغماتية:
مثلت هذه الفلسفة إطارا نظريا الهم الكثير من البيداغوجيين وبالتالي ظهور طرق تدريس تأثرت بهذه الفلسفة البراغماتية وتؤكد هذه الفلسفة إن قيمة أي مبدأ فلسفي يجب أن يعتمد على الأثر العلمي له. يقول جون ديوي:" إن الفلسفة يجب أن تسمى باسم المشكلات التي تبحث فيها، إن تلك المشاكل نشأت من صعوبات الحياة الإجتماعية، فهناك مشاكل العقل والمادة، والجسم والروح والإنسان والطبيعة والفردنية والإجتماعية، والنظرية والتطبيق او المعرفة والعمل". (جون ديوي، 372).
وترتكز البراغماتية على المبادئ الآتية:
أ- الفلسفة وسيلة لحل المشاكل الحياتية: وقد كان ديوي يلح على التطبيق العملي لمشاكل الفلسفة، ذلك أن الفلسفات القديمة كانت تصيغ أساليب الحياة على أساس فكري ومن هنا فإن دور الفلسفة يكمن في أنها أداة لحل المشكلات.
ب- التجربة هي مقياس الحق: ترى البراغماتية أن مقياس الحق هو التجربة النافعة لاكبر عدد من الناس ولأطول فترة زمنية.
ج- المنهج العلمي هو الطريق إلى الحقيقة: فحين يواجه الإنسان مشكلا فإن يطرح إفتراضا معينا يتوقع منه حلا لمشكلته، تقابل مرحلة الإفتراض أو حل المشكل الفكرة التي يبتكرها الإنسان لحل مشكلته.
د- الذكاء أساس نظرية الحق: تعتمد الفلسفة البراغماتية على العقل في حل المشاكل وعلى القدرة الابتكارية في الإنسان وهي ترى أن الذكاء هو جوهر نظرية الحق وهكذا فإن الحياة التي تحيط بالتلميذ تعتبر مجالا خصبا للتربية.
ه- الخبرة في سبيل النمو: تهتم هذه الفلسفة بالطريقة في التربية أكثر من اهتمامها بالهدف لأنها لا تؤمن بتحديد هدف سابق.
و- اكتساب الخبرة في العلاقة بالديمقراطية: تؤمن البراغماتية بالإسهام التشاركي للخبرة بين الأفراد الجماعات وتؤدي أن أهم عوامل اكتساب الخبرة ومشاركتها، هو توفر الديمقراطية كأسلوب حياتي، إذ يتمكن الأفراد عن طريقها من الحركة الاجتماعية السلسة والارتقاء الحيواني. (عبد الكريم غريب، 128).
البنيوية: اتجاه ومنهج علمي وفلسفي نما في الستينات من القرن الماضي بفرنسا وعرف امتدادات لشتى علوم الغنيان والمجتمع ( الماركسية، التحليل النفسي، الأدب،....) ومنها علم النفس التربوي وهنا نذكر جان بياجيه الذي كان له إسهامات مهمة في النظرية التربوية وتشهد على ذلك كتبه البيداغوجية (Psychologie et Pédagogie, Epistémologie Génétiques) والتي انطلقت من تجارب علمية لبيان فكرة البناء المعرفي في شتى مجالات المعرفة العلمية عند الطفل من فيزياء ورياضيات ومنطق... وقد استفادت طريقة التدريس بالكفاءات من هذا الإرث الفلسفي...
ذلك أن الذات (الباحث والمتعلم) لا يمارس النشاط المعرفي لمجرد أنها تسير وفق خطة مقننة، بل لأنها تبني المعرفة كجواب على مشكلة محددة او وضعية / إشكالية تستدعي حلا معينا. وليس هناك سيرورة منهجية نمطية توصل إلى بناء هذا الجواب، بل لابد أن تمر عملية البناء من سيرورة دينامية أساسها الشعور والوعي بمشكلة ما (نظرية أو واقعية) وفحواها القيام بنشاط يعمل فيه العقل بنماذجه وبنياته المختلفة إلى جانب الفعل الحسي والحركي للتأثير على الأشياء والموضوعات والوصل بالتالي إلى تحديد ما حدث من تغيرات عليها في صورة معارف محددة. (د. محمد شرقي، 39).
السلوكية: نجد المدرسة السلوكية في علم النفس كما فهمها البيداغوجيون خصوصا منظورا الأهداف البيداغوجية وبخاصة تصنيف بنجامين والذي قدم مصنفا خاصا بالجانب العقلي على أساس السؤال التالي: ما هي المهارات وأوجه النشاط العقلي المعرفي التي تسعى إلى تحقيقها لدى الطلاب؟ وكان الجواب كالتالي: عن تصنيف المهارات والعمليات العقلية هو على النحو التالي: 1) المعرفة- 2) الفهم- 3) التطبيق- 4) التحليل_ 5) التركيب-6) التقويم. ( الدريح، 88).
وهناك مبادئ تنظيمية انتظمت وفقها تلك الأهداف:
1. المبدأ الأول يكمن في مراعاة التدرج في تنمية المهارات العقلية وذلك بالانتقال من البسيط إلى المعقد، فنحن عادة ما نبدأ باستقبال المعلمات ثم نحفظها ثم ننتقل إلى عمليات الفهم والتحليل والتركيب ثم إلى الحكم والتقويم.
2. إن الانتقال التدريجي من البسيط إلى المعقد يستدعي بدوره انتقالا من ارتباط الفكر بالتقبل والحفظ، إلى استقلاله وقيامه بعمليات فيها تجيد وإبداع.
3. أما المبدأ الثالث فيهتم بمستوى تعقيد المحتويات ( مضامين المواد الدراسية) التي تشكل موضوع السلوك الذهني المرغوب فيه، ويتجلى هذا التعقيد في ثلاث درجات:
· مستوى العناصر: وهو المستوى الأّول من حيث الصعوبة ويرتبط بمعالجة المعطيات والعناصر المعزولة والمتفرقة، ففي المستوى الأول لعملية التحليل مثلا، يقوم الذهن بادئ ذي بدء، بتحليل المعطيات وفك العناصر والتعرف عليها الواحد تلو الأخرى. (الدريج، 89)؟
· المستوى العلائقي: ويهتم بالتنظيمات المتوازية أي بالعلاقات بين العناصر، ففي المستوى الثاني للنشاط التحليل نقوم بإدراك العلاقات بين العناصر وما بينها من ترابط وتنافر.
· مستوى الأنساق: وهو المستوى الذي يعني بالبنيات المعقدة التي تنتظم وفقها الأفكار والأحداث وغيرها. (الدريج، 90).
إذن تأخذ طريقة التدريس بالكفاءات المبادئ الأساسية من تصنيف ألان بلوم والذي ينتمي مدرسيا إلى السلوكية والتي تعتبر فرعا للفلسفة البرجماتية والتي بدورها تعود إلى الفلسفة التجربيبة.
النيوليبرالية: أو اليبيرالية الجديدة
وهي الأيديولوجية السائدة الآن في العالم وهي تعبر عن التوجه الفكري لاقتصاد العولمة واقتصاد الشركات المتعددة الجنسيات التي تحكم العالم سياسيا واقتصاديا إرادات ربط التعليم بعالم الشغل فكان لابد من توجيه برامج التعليم وتعميم المناهج بغض النظر عن التمايزات الطبقية والثقافية.
يمكن القول أن طريقة التدريس بالكفاءات انطلقت في منهجيتها وتوجهاتها من تأثيرات البرغماتية والسلوكية والنيوليبرالية والليبرالية الجديدة وهي المذاهب الفكرية التي عرفت انتشارا واسعا في الستينات من القرن الماضي وهي الفترة التي إزدهرت فيها هذه الطريقة في العالم الأنجلوسكسوني.
تصنيف الكفاءات
عند الحديث عن الكفاءات وجب تصنيفها سياسيا (هيئة حكومية) او تصنيفا أدبيا.
- التصنيف السياسي (وزارة التربية،..)
· الكفاءات الاستراتيجية وتطويرها في المناهج التربوية من خلال:
- معرفة الذات والتعبير عنها؛
- التموقع في الزمان والمكان؛
- التموقع بالنسبة إلى الآخر، وبالنسبة إلى المؤسسات المجتمعية (الأسرة، المؤسسة) والتكيف معها ومع البيئة بصفة عامة.
- تعديل المنتظرات والاتجاهات والسلوكات الفردنية وفق ما يفرضه تطور المعرفة والعقليات والمجتمع.
· الكفاءات التواصلية ومعالجتها من خلال:
- إتقان اللغة العربية والتمكن من اللغات الأجنبية؛
- التمكن من مختلف أنواع الخطاب الأدبي والعلمي والفني، المتداولة في المدرسة وفي المحيط الاجتماعي؛
· الكفاءات المنهحية: وتستهدف:
- اكتساب التلميذ منهجية للتفكير وتطوير المدارجة العقلية؛
- منهجية للعمل في القسم وخارجه؛
- منهجية لتنظيم ذاته وشؤونه ووقته وتدبير تكوينه الذاتي ومشاريعه الشخصية.
· الكفاءات الثقافية ومعالجتها عن طريق:
- تنمية شقها الرمزي المرتبط بتنمية الرصيد الثقافي للمتعلم، وتوسيع دائرة حساسة وتصوراته ورؤيته للعلم وللحضارة البشرية بتناغم مع تفتح شخصية بكل مكوناتها وبترسيخ هويته كمواطن جزائري وكإنسان منسجم مع العالم الخارجي؛
- تنمية معارف التلميذ.
· الكفاءات التكنولوجية:
- القدرة على تصور ورسم وإبداع وإنتاج المنتجات التقنية؛
- التمكن من تققنيات التحليل والتقدير والمعايرة والقياس، وتقنيات ومعايير مراقبة الجودة؛
- التمكن من وسائل العمل اللازمة لتطوير تلك المنتجات وتكييفها مع الحاجيات الجديدة والمتطلبات المتجددة؛
- استدماج أخلاقيات المهن والحرف والأخلاقيات المرتبطة بالتطور العلمي والتكنولوجي بارتباط مع منظومة القيم الحضارية وقيم المواطن وحقوق الإنسان.
عموما هذا تصنيفات تضعها الوصاية أو الجهة الحكومية ولكن أدبيا يميز الباحثين بين الكفاءات التالية:
· الكفاءات الدنيا: يرى رولاند شير أن تحديد الكفاءات الدنيا من أكبر الصعوبات التي يواجهها المتخصصون أثناء عملية إعداد المنهاج المدرسي، (أعمر اسليماني، 215) ويمكن تعريف الكفاءة الدنيا بأنها معرفة معمقة نسبيا في مادة ما، أو مهارة معترف بها، وهي بهذا الجودة والإمتياز إنها تعني القدرة على القيام بمهمة ما بشكل مقنع.( غريب، 45).
· الكفاءات القصوى: وهذا النوع من الكفاءات يخص الموهوبين والعباقرة الذين يقترح البعض أن تعدلهم برامج خاصة، أو على الأقل أن يسمح لهم بتخطي مستوى دراسي بمعنى عدم المرور ببعض المستويات إذا تأكد أنهم استوعبوا قبليا المناهج المقرر لها.
· الكفاءات الخاصة والكفاءات الممتدة:
1. ترتبط الكفاءات الخاصة أو النوعية ترتبط بمادة معينة أو بمجال معين، كأن تقول كفاءات خاصة بالفلسفة وكفاءات خاصة بالتاريخ.
2. الكفاءات العامة أو الممتد: يقصد بها الكفاءات التي يمتد توظيفها إلى مجالات عدة او مواد مختلفة ولا تربط بمجال محدد او مادة دراسية ومن أمثلة الكفاءات المستعرضة:
- امتلاك آليات التفكير؛
- امتلاك منهجية حل وضعيات- مشاكل؛
- تنمية القدرات التواصلية؛
- تنمية القدرات الإستراتيجية؛
- تنمية القدرات المنهجية.
طريقة التدريس بالكفاءات في الفلسفة
يعتبر مفهوم البرامج الدراسة الخاضع لمنهجية الكفاءات توجها عالميا راهينا في تطور الأنظمة التربوية وقم تمت مؤسسة هذا التوجه بشكل متواصل، وتظهر نتائج ذلك في كتابة البرامج وطريقة تقويم المعلمين وفي نمط عمل التلاميذ.
أضحت هذه الطريقة قانونا شرعته الدول والحكومات في برامجها التعليمية وبخاصة الدول الأوروبية (بيلجيكا، فرنسا، سويسرا، الكيبك الفرنسية)، هذا لأن الدول الأنجلوسكسونية معرفت هذا المفهوم " الكفاءات" في السبعينات من القرن الماضي في برامج التعليم المهني وفي الثمانينات عند المرحلة الثانوية.
لم تنجو مادة الفلسفة كغيرها من المواد الدراسية في تبني هذه الطريقة والسؤال الذي يطرحه فلاسفة التربية مفاده: هل المقاربة بالكفاءات في الفلسفة شرعية؟ وهل يمكنها أن تغذي اليقظة الديداكتيكية للتخصص؟ وهل لها تأثيرات نفعية على المعلم والأستاذ في أفق تعلم التفلسف؟ وإذا كان ذلك يظهر فما هي الانحرافات الممكنة وكيف يمكن تجاوزها؟
إن تبني هذه الطريقة في مجال الفلسفة كان قد سبقه نقاش فكري شمل الحديث عن ضرورة إعادة النظر في البرامج وغابات تدريس الفلسفة وفي فكرة تعميم الفلسفة والخروج من نمط النخبوية الذي ميز فئة من توجه إليها الفلسفة.
إن أول ما يعيق تقييد درس الفلسفة بمنهجية معينة:
- ترك الأساتذة في حرية تامة عند تنظيم دروسهم وهذا انطلاقا من إشكاليات ومحاور تم تحديدها من الوزارة وهو التقليد الذي سارت عليه برامج الفلسفة في فرنسا، تبدءا من سنة 1902 مع فيكتور كوزان Victor Cousin.
- إن طريقة التدريس بالكفاءات تعطي أولوية للتلميذ، بينما في تقاليد تدريس الفلسفة يعتبر أستاذ الفلسفة فيلسوفا ومؤلف لدرسه، والتلميذ متعلم فيلسوف، ذلك أن تعليم الفلسفة لا يهدف لنقل المعارف وإنما لتعليم نمط معين من التأمل الذاتي في التلميذ.
ديداكتيك الدرس الفلسفي
ماهية الدرس الفلسفي: إن الدرس الفلسفي تعبير عن دينامية يعرفها المجتمع على مختلف المستويات: اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وفكريا وغالبا ما تراهن جميع برامج الفلسفة في العالم على منظومات قيمية تحقق مواطنة حقة واحتراما للأخر.
أهداف الدرس الفلسفي: ومن الأهداف التي يسعى الدرس الفلسفي إلى تحقيقها الآتي:
1. إن الدرس النظري على الرغم من أنه لم يعد يحظى بالنشاط الأوفر حيث الحجم الزمني والحجم المادي، إلا أن مهمته ما تزال أضخم وأوسع في تبليغ رسالة الفلسفة التي تنمي قدرات وكفاءات المتعلمين.
2. أنه يرسم حدود المادة المعرفية ونوعية الأساليب اللغوية والمنهجية.
3. يعتبر مصدر تعلمي حي، يفيد المتعلم في تلقي رسالة معلمه في عملية الطرح والعرض والتحليل والتركيب.
4. أنه يحدد طبيعة الأنشطة التربوية الأخرى، من نصوص ومقالات وعروض ومؤانسة الإنتاج وحمل المشروع والتقويم.
5. كذلك يحدد الدرس الفلسفي المجال الذي يجب أن تتجه إليه مختلف الأنشطة.
6. أنه يكسب المتعلم كفاءات متعددة، القراءة الفلسفية والتحليل والاستماع إلى رأي الغير والروح النقدية.
7. يساهم الدرس الفلسفي في انطلاقا المتعلمين منه مشروع لبناء مقالة.
8. يمتن الدرس الفلسفي العلاقة بين جميع الأنشطة التعلمية ويخلق أسباب الانسجام فيما بينها.
مميزات الدرس الفلسفي:
إن غاية الدرس الفلسفي هي خدمة الحياة نفسها، بما يمكن أن يقدمه لنا من أشكال مختلفة في التفكير تسمح بتقديم فائدة للحياة، وتجعل الفلسفة ذات جدوى بالنسبة للمتعلم والإنسان عموما. (محمد الشبه، ص 31).
إن هذه الميزة ضرورية وهذا لتجاوز الدرس الذي يقدم معلومات وأفكار تاريخية ويشحن ذاكرة التلميذ بمعلومات لا يلبث التلميذ أن ينساها ولا يستفيد منها في حياته العملية وهذا ما يسمى بالدرس الإخباري والإلقائي.
كذلك يجب أن يكون درس الفلسفة درسا تفاعليا وحواريا تبنى فيه المعارف بشراكة بين المعلم والمتعلمين، ويتم فيه ربط مضامين الدرس بحياتهم حتى يدركوا أن ما يدرسونه هو جزء من ذواتهم، ولصيقا بحياتهم اليومية والاجتماعية. (محمد الشبه، 33).
إن هذا الجو الحواري الذي يعيشه التلميذ والأستاذ داخل القسم يسمح للتلميذ بأن يدافع عن أفكاره ويعبر عنها بحرية وممارسة النقد على كل ما يأتيه من الآخر سواء كان فردا أو جماعة أو مؤسسة وهذا يعني امتلاك التلميذ لاستقلالية في التفكير وإذا تحقق هذا الأمر فإن ذلك يعتبر خطوة نحو تأسيس مجتمع حداثي وديمقراطي تسود فيه قيم الحداثة والديمقراطية.
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للتلميذ فماذا عن الأستاذ أو المعلم؟ فماذا عن وظيفته داخل القسم؟ إن وظيفة المدرس ليست تلقين المعتقدات الدينية أو الايديولوجية، بل وظيفته الأساسية هي مساعدتهم على اكتساب المهارات والقدرات العقلية التي من شأنها أن تمكنهم من مناقشة أراء الفلاسفة.
إن الحديث عن الإيديولوجيا سيحيلنا إلى ثلاث رؤى تلون بهام ومول الفلسفة: المدرس الماركسي والمتمركس، المدرس الإسلامي أو الاسلموي، المدرس التقنوي أو التكنوقراطي وهي توجهات يمكن أن تخلق فردا متعصبا أو مؤدلجا يصلح كمناضل في حزب سياسي.( العلوي رشيد، 159).
منهجية التدريس بالكفاءات في الدرس الفلسفي:
1. الوضعية المشكلة في الدرس الفلسفي:
إذا كانت الكفاية على حسب تعاريف معظم الباحثين في الشأن التربوي على أنها" القدرة على تعبئة مجموعة مندمجة من الموارد بهدف حل وضعية مشكلة" (عبد الرحمن التومي، ص7، 2008)، فإن الوضعية المشكلة في إطار المقاربة بالكفايات تعتبر عنصرا مركزيا، وتمثل المجال الملائم الذي تنجز فيه أنشطة تعليمية متعلقة بالكفاءة، أو أنشطة تقويم المشكلة وعلى مكوناتها وخصائصها ووظائفها، وكذا في آليات التدريس بالوضعيات.
- تعريف الوضعية المشكلة: في الحقل التربوي يقصد بها" وضع التلميذ أمام مشكل معقد يتطلب حلا، على اعتبار أن المشكل هنا وسيلة للتعلم، فحوله تتمركز العدّة الديداكتيكية، بحيث يغدو منبعا ووسطا ومؤشرا لبناء التعلمات" (Lahanier-Reuter,2010 ,P98)، بهذا المعنى فإن الوضعية المشكلة تتوخى وضع المتعلم داخل الفضاء يساعده على التفكير ويخول له تحليل عناصر الوضعية لمجاوزة المشكلة التي تطرحها هذه الوضعية، فالوضعية المشكلة في مجال التربية والديداكتيك تعتبر إطارا واقيا يواجه ضمنه المتعلم مشكلا يشغل من أجل مواجهته معارفه ومفاهيمه، فهي وضعية واقعية وملموسة، كما انها التقاء عدد من العوائق في إطار ظروف وشروط معينة يحاول التلميذ تحديدها بقدراته ومهاراته، وبهذا المعنى يطرح التعلم كمهمة يشكل تحديا معرفيا للمتعلم، وتعد معالجتها دلالة على كفاءته وأهليته التعليمية والمهنية.
- أنواع الوضعيات: بالعودة إلى عدد من الكتابات والأبحاث التربوية التي قاربت الوضعية المشكلة نعثر على تسميات متعددة للوضعيات المشكلة، وإن كانت في أحيان كثيرة تشير إلى نفس الوضعية منها:
أ. الوضعية الدالة: يتحدث كزافي روجيرز Xavier Roegiers في كتابه" بيداغوجيا الإدماج" عن الوضعية الدالة، وهي بالنسبة إليه الوضعية التي تعكس أو تجسد الكفاية، ويذهب روجيرز إلى أن الوضعية الدالة هي "وضعية مشكلة معقدة" وهي وضعية إدماجية لأنها تجعل التلميذ يدمج معارفه الدقيقة التي اكتسبها، وهي أيضا استثمارية لأن المتعلم يستثمر معارفه ومهاراته في حل المشكل التي تطرحه الوضعية المشكلة، كما أنها دالة لأنها مماثلة للوضعيات اليومية التي يصادفها المتعلم في حياته. (Xavier Roegiers, 2000,P23) وبهذا المعنى فالوضعية المشكلة هي التي تطرح مشكلا معقدا ينتمي لواقع التلميذ، ويستدعي من هذا الأخير استثمار أو إدماج تعلماتها الدقيقة لحل هذا المشكل بشكل فردي، بحث يعتبر هذا الحل دليلا على الكفاية لدى التلميذ.
ب. الوضعية المشكلة الديداكتيمية: يتحدث روجيرز عن الوضعية المشكلة الديداكتيكية كوضعية ذات سياق تعليمي تستهدف خلخلة البنية المعرفية للتلميذ، من أجل بناء التعلمات الجديدة المرتبطة بالكفاية، وتتميز هذه الوضعية بكونها وضعية لاستكشاف تكون في بداية الدرس، وهي ذات وضيفة تحفيزية على التعلم، كما أنها ليست تمرينا بسيطا بل مقاربة لإشكال معين، ومن بين الخصائص التي يميز بها روجرز الوضعية المشكلة الديداكتيكية أنها تنجز أو تحل بشكل جماعي وتعتبر مدخلا لتعلمات دقيقة وليست وضعية للإدماج. (Ibid,P220)
- مكونات الوضعية المشكلة:
يجمع أغلب المهتمين بالحقل التربوي على مكونات الوضعية المشكلة تتحدد في المكونات الثلاثة التي وضعها دوكتيل"Dektele" وهي: الدعامة- المهمة- التعليمات.
أ. الدعامة: ويصطلح عليها كذلك بالسند أو الحامل وتتضمن العناصر المادية التي تقدم للتلميذ، رسم، وثيقة تاريخية، أو نص... كما تشمل الدعامة السياق الذي تمارس فيه الكفاية، فقد يكون السياق عائليا أو ثقافيا أو تاريخيا، وتتضمن الدعامة كذلك المعلومات التي يستثمرها المتعلم أثناء الانجاز وقد تشمل معلومات مفيدة أو غير مفيدة أو ما يصطلح عليها بالمعلومات المشوشة.
ب. المهمة: يقصد بها المطلوب من المتعلم انجازه، ويستحسن أن تتضمن المهمة أسئلة مفتوحة تتيح للتلميذ فرصة إشباع حاجاته الخاصة، كالتعبير عن الرأي واتخاذ المبادرة.
ت. التعليمات: وهي مجموع التوجيهات التي تقدم بشكل صريح للمتعلم قصد مساعدته على أداء مهمته، مثلا استعمال معجم معين، توظيف الاستشهادات، وغالبا ما تحدد التعليمات ما نسميه الإتقان في الكفاية.
- وظائف الوضعية المشكلة:
في كثير من الأحيان يتم الخلط بين وظائف الوضعية المشكلة وخصائصها، ولكن يمكن الجزم أن للوضعية المشكلة وظيفتان، وظيفة الإدماج ووظيفة التقويم.
أ. وظيفة الإدماج: إن الجديد الذي قدمته المقاربة بالكفاءات هو إدماج التعلمات في إطار وضعيات، وهذا ما جعل روجرز يتحدث عن الهدف الاندماجي النهائي، والهدف الاندماجي الوسيط، فإدماج أو اندماج التعلمات هو حجر الزاوية في بناء الكفاية لدى المتعلم، فما الإدماج؟
يستخدم مصطلح الإدماج في الحقل التربوي ليعكس إحدى ركائز التعليم في بيداغوجيا الكفايات وهي اندماج المعارف، فالإدماج هو ربط بين الموارد المكتسبة والمنفصلة بغاية تفعيلها وتوظيفها لتحقيق هدف معين، أداء المهمة المطلوبة أو الشكل الذي تطرحه الوضعية.(Garnier .F , www.apsg.org )
أنشطة الاندماج والتقويم، هي الأنشطة التي يتم من خلالها اندماج التعلمات السابقة في إطار الوضعيات المشكلات، ومن ثم يقترح روجرز تنظيما لزمن التعلم يقضي تخصيص فترة من الزمن للتعلم الدقيق وأخرى للإدماج، مثلا يمكن تخصيص ثلاثة أسابيع الأولى من كل شهر لتعلم الدقيق في حين يخصص الأسبوع الأخير لإدماج التعلمات السابقة في إطار وضعيات دالة.
ب. وضيفة التقويم :
تؤدي وضعية مشكلة وضيفة التقويم حينما تقدم بهدف تقويم قدرة التلميذ على إدماج التعليمات في سياقات مختلفة، و وفق معايير محددة، و يعتبر النجاح في حل هذه الوضعية المشكلة دليلا على التمكن من الكفاية، و يرى المهتمون أن تقويم الكفاية يقوم على أربعة أسس و هي:
1. استهداف الكفاية أي الاختيار يتوخى معرفة مدى تبلور كفاية وعينة لدى المتعلم.
2. الإنطلاق من وضعية على صيغة مشكلة، ذلك انه على المقوم اجتناب اعتماد أنشطة أو تعليمات مفصولة و مجزئة في عملية التقويم.
3. أن تكون وضعية التقويم وضعية دالة بالنسبة للتلميذ، أي أنها تحمل معنى بالنسبة إليه وتحفزه على تعبئة تعليماته لأداء المهمة المطلوبة.
4. أن تكون وضعية التقويم تنتمي إلى نفس الصنف أو العائلة أو الوضعيات التي تحدد الكفاءة المستهدفة في التقويم.
- معوقات تدريس الفلسفة بالوضعيات المشكلة
لعل غياب النموذج النظري و التطبيقي لتدريس بالوضعيات المشكلات الشيء الذي يجعل هذه المقاربة رهينة المبادرات الشخصية، لذلك نجد ارتباط معظم الأساتذة بالطرق التقليدية في ممارسة الدرس الفلسفي. كما أن المتمعن في مضمون الكتب المدرسية لا يساعد المتعلم على الفكر النقدي والمساءلة الفلسفية بسبب انعدام الترابط و التسلسل المنهجي في معالجة الموضوعات الفلسفية، كما أن من أهم معوقات تدريس الفلسفة بالمقاربة بالكفاءات هو طرح المادة بصيغ جامدة ما يقيد المدرس ويدفعه إلى التلقين. (محمود أبو زيد إبراهيم، ص 139)
وهناك معوق موضوعي يتعلق بالطابع السوسيوثقافيفي عالمنا العربي، فمثلا دروس الأخلاق و قيم الديمقراطية و الحقوق و الواجبات غير مرتبطة بالحياة المعاشة للمتعلم، مما يشعره وكأن المسألة هي مسألة وعظ و إرشاد.
- طرائق تدريس الفلسفة وفق المقاربة بالكفايات.
1. الطريقة الحوارية أو التقليدية:
أ- ضبط المفهوم: Maїeutique في أصلها اللغوي هي فن توليد النساء، و تعني في الفلسفة السقراطية فن حمل المخاطب إلى اكتشاف الحقائق التي يحملها في ذاته، وهذا عن طريق سلسلة من الأسئلة، فقد كان سقراط(ت399ق م) لا يدعي أبدا أنه مدرس، بل كان يقدم نفسه كزميل متعلم جاهل لحقائق الأمور، وداع للآخرين لكي ينظموا إليه في رحلة الاكتشاف، وكان منهجه يبدأ بمناقشة أي موضوع شائع، ويسأل سامعه عن رأيه الذي يكون عادة مستعدا لإبدائه، وبتوالي الأسئلة تنكشف الإجابات التي لا تقف مع الإجابات الأولى.(سعيد إسماعيل علي، ص11، 1995)
وهكذا تمضي المناقشة حتى يصل المحاور إلى حالة من الحيرة التامة، و يضطر إلى الاعتراف بأنه لا يعرف شيئا عن الموضوع الذي عبر- في البدء- عن رأيه فيه بكل ثقة، وبالنسبة إلى المتعلم الحاذق تكون هذه النتيجة السلبية هي المرحلة الأولى فقط في عملية التربية، تتداعى التحديدات المفاهمية الجديدة، وهذه معناه التدرج إلى تحصيل المعرفة عن طريق تكوين تصورات دقيقة، وهي الطريقة التي بمقتضاها يسير الفيلسوف بمتحدثيه من فروض ظاهرة الصحة إلى إبطالها، ويحمله بالتالي إلى وضع فروض جديدة لتوليد المعرفة.
ومنهم أهم خصائص التوليدية هي أشراك المتعلم في بناء المعرفة، فهي أسلوب ديداكتيكي يقوم على المشاركة وليس على الملاحظة المتحجرة أو السلبية(التلقي السلبي)، إن مشاركة المتعلم في بناء المعارف تحفزه على أخذ الكلمة أكثر مما يستمع، وعلى طرح الأسئلة أكثر مما يستقبل من معلومات، وعلى تقصي الإجابات الممكنة أكثر من البحث عن الإجابة الجاهزة/ الصحيحة وعلى بناء السبل أكثر من تطبيق الوصفات، إن الأمثل هو أن يتحرك المتعلمون في القسم من الأستاذ وأنهم في نهاية اليوم يكونون أكثر تعبا.
أما دور الأستاذ يتقدم كمجرد وسيط بين المتعلم و المعرفة، أو كمجرد دليل، فيحث المتعلم على الاختبار والتفكير، ويحثه على إثراء المناقشات وعلى التعبير والحجاج، ففي المقاربة التقليدية كان الأستاذ هو الشخص الذي يمتلك المعرفة ويمنحها للمتعلم، أما الآن فينبغي أن يكون هو من يوجه المتعلم لكي يكتسب الكفاءات، ثم إن الحوار الفلسفي يفترض مسبقا انتقال الفكر البسيط إلى الفكر التقدي والحجاج الجدلي، وهو الحجاج يفترض ترتيبات و مهارات فكرية معقدة.
ب- إمكانات طريقة التوليد السقراطي.
ينطوي هذا الأسلوب التعليمي في المجال البيداغوجي على مغزى، من حيث أنه يسمح للعلاقة بين التعليم و التعلم- و هي علاقة معرفة تقليديا بالخطية- بأن تصبح دائرية، ومن ثم تمنح القدرة للمتعلمين و تساعدهم على اكتساب الوعي بمسؤولية أكبر تعلماتهم، فعندما ينتظر الأستاذ من المتعلمين إجابات متجانسة أو جاهزة مأخوذة من الكتاب المدرسي أو من فكرة مسبقة، سبق الأخذ بها في عالم الراشدين، فإن المتعلمين يخسرون جزءا من التحفز الذاتي إلى أنه عندما يكون إبداعهم و حكمهم و تجاربهم الحياتية أعمالا محترمة فإنهم يحوزون على الفائدة و يطمحون إلى تجاوز ذواتهم، وعندئذ، تنتعش قدراتهم الفكرية والحوارية التي يمتلكونها و تتجدد.
ج- الحوار و بيداغوجيا المشروع:
إن تعلم التفكير الفلسفي في إطار الطريقة الحوارية يقتضي أيضا العمل الجماعي، وهو سلوك تدعو إليه بداغوجيا المشروع، لأن المشروع يساعد بذلك على إدماج المهارات، والمواد التعليمية، فمنهجية المشروع تستنجد باستحضار المعارف السابقة، وبالتساؤل عن ماذا يجب أن أعرف؟ وهو سؤال كانطي رفيع، فهناك عدد من المتعلمين لا يحفظون لأنهم يجهلون كيف يتصرفون، فالأسئلة كيف سلكت إلى ما صنعت؟ و ماذا أخذت من كل هذا؟ أو هل إنني قادر على أن أصنع هذا بطريقة أخرى؟ هي أسئلة تدفع المتعلمين شيئا فشيئا إلى حمل نظرية نقدية على أساليب صنعهم واكتساب استراتيجيات مفيدة للتعلم، إن المتعلم يتجه تدريجيا إلى العمل لإنجاز المشروع الذي يحمله في رأسه.
ومن جهة المتعلمين، وبقصد محاربة فشلهم وصعوباتهم المدرسية، يتعين الاهتمام بطرائقهم في التعلم، وهذا لفهم " أين وصلوا، وما هي الأمور التي تعرقلهم"، ولفائدة المعلمين يتم الحث على العمل بالكفاءات، لأن ذلك يحملهم على انشغالهم بمشاريع المتعلمين في وضعية التعلم، أنه يوازن بين أرائه وأراء غيره، وينمي هويته في العمل الجماعي، ويقوم عمله طوال المشروع، فيحدد أين الصواب، وأين الصعوبات ولماذا،... حتى يرى كيف يتقدم، إن المشروع يساعد على إعطاء التعلم مدلوله، ويقرن الكثيرون بيداغوجيا الاكتشاف بالرضا العام والروح الجماعية المؤسسة على التحاور والتشاور، أما المتعلم المتروك لأمره فإنه لا يتعلم بيسر ولا بمنهجية ونجاعة، ولا يكسب الكفاءات الموادية، ولا المقررة في مشروع الفريق، لابد من الوصول إلى تحسيس المتعلمين بأنهم يشكلون قسما وأن لكل واحد مساهمة يقدمها، شريطة أن ينشئ ثقافة التعاضد والتعاون. وهذا النوع من التعلم يساعد على تكوين الفكر النقدي وحل المشكلات بعمل الفريق والتكافل الاجتماعي، وهذا النوع من النشاطات بإمكانه أن ينمي لدى المتعلمين قيما وسلوكيات تساهم في إرساء المجتمع المدني الديمقراطي.
2. الطريقة الإلقائية:
أ. تعريفها: هي الطريقة التي يقدم فيها الدرس كخطاب تنتقل فيه الرسالة من اللسان إلى السمع، ويلقى في شكل محاضرة، له مواصفات وما للخطاب من تفكير متماسك، وبنية منطقية حجاجية ومحكمة، ومادة غزيرة وتامة ولغة سليمة تسمع بصوت بليغ ونطق صحيح.
ب. شروطها ومزاياها: لهذه الطريقة شروط ينبغي الأخذ بها منها:
- ألا يقدم الدرس- إلقاء وإصغاء- من غير كتابة عناصره، في شكل تصميم وضبط للمصطلحات.ان يدعم الإلقاء ببعض التقنيات والفنيات كالتشويق وتلوين الصوت والإسماع بلغة سليمة وفصيحة، وأحيانا إذا اقتضى الأمر مسلية.
- أن يقدم للتلميذ الهدف من الخطاب مع طرح الإشكالية واحتوائه على العقدة البيداغوجية.
- أن يحضّر الأستاذ المادة المعرفية بأن يرجع إلى الأصول.
ومن شروط نجاح هذه الطريقة أيضا، التركيز إلى اتصال حلقات الدرس وربط أوله بآخره، يقول عبد الرحمن بن خلدون:" ينبغي لطالب العلم أن لا يشتغل بما أشكل حتى يختم الكتاب، لأن أول الكتاب مرتبط بآخره فإذا حقق أول العلم وأخره حصل فهمه، فإذا اشتغل بالإشكال ووقف كان مانعا له من الختم، وختم الكتاب أصل من أصول العلم، وإذا اقتصر على أوله لم يحصل له فهمه" (عبد الرحمن بن خلدون، ص 11، 1995)، ومن مزايا الطريقة الإلقائية تبليغ المادة المعرفية وتنمية القدرة على الإصغاء والسمع، وتفعيل الملكات العقلية من خلال تتبع لعناصر الخطاب، وهنا نشير إلى وجوب التكرار والوقوف عند بعض الأفكار، إن الذي يجعلنا نلح على الأخذ بهذه الطريقة هو كون الطرائق السابقة وخاصة منها الحوارية لم تعد لها مفعولها بل ولم تعد تطبق كما هي، إذ أصبحت مميعة، وهو الشيء الذي ينتج عنه تفتيت المعرفة الفلسفية لشكلها البنيوي ولشموليتها، إن هذه الطريقة تخدم بحق الفلسفة لأنها تخدم الأنساق والمذاهب المحكمة.
- محطات الدرس الفلسفي في ضوء المقاربة بالكفاءات:
لابد أن نتفق منذ البداية على أن الدرس الفلسفي بناء فكري وتماسك منطقي، فإذا كان المقصد من تدريس الفلسفة هو دفع التلاميذ إلى الانخراط في تجربة فلسفية ذاتية وامتلاك الكفاءات اللازمة، فإن نجاح هذه المهمة التربوية يتوقف على مدى التزام الاستناد في الحصة بآليات الدرس الفلسفي وثوابته، لأن الفلسفة كتفكير هي نزوع إلى النسقية في عرض التصورات والمواقف، فلا معنى للمعارف والمعلومات التي تقدمها خارج التماسك المنطقي الذي يضمن الحصانة للدروس والقوة في تبليغها والأثر في تثبيتها، أما في ما يتعلق بمنهجية الدروس، فيمكن القول أن الأستاذ وحده يقدر الأسلوب المنهجي الذي يناسب المقام، فلقد وصفنا عدد من الطرائق المنهجية آنفا التي تصلح لتقديم الدرس الفلسفي، وعليه أن يتبنى ما شاء منها شريطة استجابتها للأهداف التي يرمي إليها أو الكفاءات التي يستهدفها وطبيعة الموضوعات التي يعالجها، ولكن مهما كانت الاختلافات أو المحطات لا يستقيم من دونها الفهم والتفكير، ونلخص تلك المحطات:
- مدخل إلى الدرس عن طريق أفكار تمهيدية يسلم بها كل عقل، أو عن طريق مراجعة بهدف ربط السابق باللاحق وبهدف تقويم المكتسبات التي يقع الانطلاق منها.
- وضع إشكالية أو مشكلة على رأس كل درس والتذكير بها، في كل حصة تخدمها.
- التصريح بالأهداف التي تبرز الدرس أو الحصة، ويصاغ هذا التصريح بلغة الكفاءات.
- رسم خطة الدرس أو المشروع بحيث تكون ماثلة أمام التلاميذ وتكون بمثابة الأرضية المحصنة لجريان الدرس في تحليله وفي مناقشته.
- استخدام لغة فلسفية مناسبة تراعي الوضوح في الأسلوب، والدقة في الألفاظ وتضمن الفهم بواسطة تحديد المفاهيم وتعريف الكلمات المفتاحية، والأمثلة المبنية، مع العلم أن المثال لا يرقى إلى مستوى الحجة أو الدليل إلا في حالة التصريح به بأنه كذلك.
- إبراز المنطلقات الفكرية للدرس في شكل مسلمات أو افتراضات وإتباعها بالبرهة على صدقها أو خطئها، بواسطة استدلال منطقي قائم على جملة من الحجج المرقمة.
- الانتهاء من الدرس باستنتاج أو خاتمة، ينتظر منه تحقيق الكفاءات المنشودة في الوقت المخصص له. (العقون خالد، 2011).
ديداكتيك المقال الفلسفي
مفهوم المقال الفلسفي:
تتخذ المقالة الفلسفية عدة تسميات أهمها الإنشاء أو الخطاب أو الأطروحة ...إلى.
إن المقال الفلسفي إنجاز وإبداع يقوم بع المتعلم، وهو من حيث الشكل تركيبة من البناءات اللغوية تظهر المهارات كالتي اكتسبها من المتعلم والكفاءات التي أحرزها في مشواره الدراسي، ومظهر الإبداع والابتكار عند المتعلم، وعلى قاعدة اعتباره الوثيقة المرجعية التي يقيم بها التلميذ اعتمدت المقاربة بالكفاءات معايير تقييمية للمقال، ترتبط بجملة من الكفاءات.
الأسس النظرية للمقال الفلسفي: ويمكن حصر هذه الأسس النظرية فيمايلي:
1. يتطلب المقال أو الإنشاء الفلسفي جهدا عقليا يتمثل في توظيف ملكات التحليل والتركيب والاستنباط، وأن كل واحد منا بإمكانه ممارسة مثل هذا النشاط لأنه وفق ديكارت نشاط أولي.
2. إن المقال الفلسفي نمط من التفكير المتواصل يستمر مع طالب المعرفة في كل مراحل إكتسابه للمعرفة، حيث يتخذ صورة عادة ذهنية تساعد المتعلم على إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل.
3. يحميلنا المقال الفلسفي إلى الذات، أي استيطان الذات لأن المتفلسف مدعو إلى النضال ضد كل أشكال الانغلاق على الذات ونحن هنا مدعوون إلى الرجوع وباستمرار إلى الدرس السقراطي كدرس مرجعي للوقوف على آية استبطان الذات وممارسة هذه الآلية ونحن نتفلسف للإجابة عن مختلف انشغالات الفكر البشري. (هشام بن جدو، 11).
4. ينطلق الإنشاء الفلسفي من منطوقات نعمل على تفكيكها إلى وحدات نظرية.
5. يقتضي الإنشاء الفلسفي أو المقال من المحرر استعمال الاستدلال المنطقي بمعنى صياغة التصورات الفلسفية في شكل مقدمات تلزم عنها نتيجة معبرة عن تلك المضامين المعروضة. (هشام بن جدو، 12).
6. يتطلب التحرير عملا يدل على التأشير والاندماج مع الموضوع المطروح ولكن لا يعني ذلك الاندماج في المواقف الفلسفية التي تمثل مادة المقال بل على المتعلم أن يحلل ويبسط وفي ذهنه أن يعيد تشكيل العالم وفق تصوره الشخصي بدل الانسياق وراء أطروحات ومواقف فلسفية عاش أصحابها واقعهم وسعوا إلى تغييره. (هشام بن جدو، 12)
7. إن المقال الفلسفي هو الذي يكون بعد المران المتواصل، ذلك أنه لا توجد حلول معطاة جاهزة ويجذر الفلاسفة ومنهم على وجه التحديد كانط من التفلسف الكاذب، فهذا ميل على إثارة المشكلات الفلسفية من دون وعي ولا تبصير. (هشام بن جدو، 13)
8. يجب ألا يتبع محرر الإنشاء أو المقال الفلسفي منطق المغالبة وتصيد زلات الفلاسفة بل الغاية من الإنشاء الفلسفي هي التواصل بالفلاسفة والمفكرين.
تقنيات كتابة المقالة الفلسفية:
إن قراءة موضوع السؤال مهم جدا ولهذا وجب الإنتباه إلى النصائح العملية الاساسية وهي:
1. استغلال الوقت وعدم التسرع في الإجابة وعدم حرق المراحل.
2. الاقتناع بأن سؤال المقال الفلسفي ذا طابع فكري.
3. الحذر من المعلومات وعدم عرض كل ما نحفظه في الإجابة.
4. أن نكون أوفياء للسؤال المطروح وأن نقتنع بأن للسؤال معنى.
5. يجب دراسة السؤال جيدا. واعتبار كل كلمة في مكانها ومراقبة الفواصل، ونقاط (علامات) التعجب والاستفهام ووضع مزدوجتين وتسطير الكلمات المهمة وفي هذا المعنى:
- يجب على الطالب أن يكون منتبها للجزئيات السؤال: فمثلا وجب التعمق جيدا في صيغ الجمل المعرفة والجمل النكرة وصيغ الجمع والفرد في طرح الأسئلة.
- ويجب فهم المنطوقات التي تتكون من الغثارة والسخرية والمفارقة.
6. كذلك يجب تجنب تحوير سؤال المقالة مما يفقده حقيقته وتأتي هذه الخطوة عندما لا نفهم السؤال أو أن نعتقد بأنه يحتوي على فخ. إن التمرن على الإنشاء الفلسفي يجب أن يتأسس على المقولة الإجرائية التالية: غذ كنت تستطيع (تفهم، تفكر، تفعل) فإنه يجب عليك، وهذا كله لتجنب الإجابة البيضاء.(Dominique Folshereid , P161)
الأنماط الأربعة لمواضيع الإنشاء الفلسفي:
أ- تصور واحد: فعلى سبيل المثال نطرح تساؤلا واحد عن مفهوم واحدا وتصورها:
ما هو العنف؟ ما هي الفلسفة، ما هو الجمال؟ صحيح لا تعطي أي سؤال أو أشكلة ولكنها قاعدة اللعبة فنحن نبحث عن جوهر شيء ما أو تحديد معنى.
ب- عدة مفاهيم: كأن نضع تصورين مثلا النظام، الفوضى، القوة والعنف، وقد تصنف علامة استفهام: العلم أو الفلسفة؟ ويجب على التلميذ حينئذ تحديد التعريفات والاختلافات بين المفهومين ثم تأتي بعد ذلك الاشكلة.
ج- السؤال: وهو الصياغة الأكثر انتشارا في أسئلة البكالوريا. على سبيل المثال:
- ما هي شروط إمكانية علم الجمال؟
7. المقولة: ويطلب من التلميذ شرح جملة فلسفة والدفاع عنها أو دحضها فمثلا (هل صحيح ما يقوله نيتشه من أن الاعتقادات هي عدوة للحقيقة وأكثر خطرا من الأكاذيب. (Dominique Folsheid , P164)
مراحل المقال الفلسفي:
المقدمة: وتتضمن المقدمة الأجزاء التالية:
- تمهيد: وهو دعوة القارئ إلى قراءة الموضوع المعالج، ولهذا فهو يتضمن عنصر التشويق والإثارة، ومن خلال ذلك يمكن التأسيس للتمهيد على الاستقراء التاريخي أو الاستقراء الواقعي.
ثم عرض خطة البحث بمعنى تحديد الطريقة لتي سيتم اعتمادها في كتابة الإنشاء الفلسفي دون الإشارة إلى الحل أو إصدار أحكام فيما يتعلق بالمواقف من المشكل المطروح.
- التساؤل: يحاول المتعلم وهو يتساءل، التعبير عن الهواجس التي يعبر عنها الموضوع المعالج ذلك أنه كلما اجتهد المتعلم في التعبير عن الهواجس وروح التشكيك التي يثيرها الموضوع، كلما أوجد في القارئ الرعاية في قراءة مقالة.
- أنواع التساؤل: قد يكون جدليا، أو مقارنة أو استقصاء بالرفع أو بالوضع،
- العرض: يجب أن يتخذ العرض صورة المباحثة أو المناقشة وهي بدورها تقتضي التحلي بالروح الفلسفية واستخدام الأسلوب الفلسفي.
- الخاتمة: وتتضمن حوصلة لأهم النتائج المتوصل إليها من خلال التحليل وإبداع الرأي الشخصي المؤسس بمعنى الفصل في المشكلة موضوع التحليل بتغليب تصور ما، والاستشهاد برأي أو مقولة لفيلسوف أو عالم من شأنها أن تبرز الطبيعة المركبة للمشكلة وأنها تحتمل أكثر من موقف، مع تبيان دوغمائية من يقول بالتفسير أو التعليل الواحد. (بن جدو، 16).
ديداكتيك النص الفلسفي
تعتمد بعض الدول المجاورة لنا كالمغرب وتونس على النصوص الفلسفية في تدريس الفلسفة والسؤال المحوري في هذا الدرس يمكن فيما يلي:
لماذا النص الفلسفي؟ ما هي بنيته و كيف نحلل نصا فلسفيا؟ وما هي الكفاءات المستهدفة؟
في الاستعمال الجيد للنصوص الفلسفية:
يقول ميشيل توزي: إن التلميذ الذي يأتي إلى الفصل يكون دامجا لبنية ثقافية هي التي يفكر من خلالها في العالم وفي نفسه ردود النص الفلسفي الذي غالبا ما يكون مقلقا ومشاغبا بسبب كونه على العموم لا يضرب بجذور في المحيط الثقافي... ويطمح النص الفلسفي إلى وضع التمثلات الثقافية في منظور نقدي... إذن النص عبارة عن أداة لأشكلة ثقافة التلميذ من طرفه هو نفسه. (ميشيل توزي،91)
ولا تمام هذه المهمة يوفر النص للتلميذ. جملة من الأدوات اللازمة لذلك من خلال جهاز مفاهيمي وتقنيات حجاجية والتي يوظفها ومن خلال مجهود فكري شامل ومتماسك، غير انه يجب الحذر من أن يتحول النص الفلسفي إلى جعل التلاميذ يبهرون بالأفكار الواردة فيه وتتحول المعرفة الفلسفية إلى معرفة عقائدية والمناظرات الفلسفية إلى حروب دينية ويحدث ذلك إذا عزل النص عن تجربته الإشكالية.
إن النص يجب أن يكون ذريعة لتعام التفلسف وركيزة ديداكتيكية للتفكير في فكر يتجلى بوصفه:
- مجهزا بمفاهيم يتصورها ويتعين عليها أن نحاول إيضاح معناها وفهم علاقاتها.
- مؤشكلا سنقود بالنفاذ إلى إستفهامه ومساءلته بذاته.
- حجاجيا ينبغي مفصلة أجوبته ومجابهته نقديا لذاته (ميشيل توزي ص91-92).
وظيفية النص والقدرات الأساسية للمتعلم:
تمثل تحليل النصوص الفلسفية بمثابة تدريب أو تمرين عقلي للتلميذ تعينه على تعلم العمليات الأساسية للتفكير الفلسفي أو على الاقل بناء قدرات أساسية وهي:
1. القدرة على المفهمة: لا وجود لتفكير فلسفي دون مفهمة للمدلولات، والحال أن للمدلول علاقة ثلاثية:
- باللغة، لأنه يعبر عنه بكلمة تندمج في نسق التواصل.
- بالفكر، لان المدلول يحيل على فكرة، أو مفهوم.
- بالواقع لأن ذلك المفهوم يعد موضوعا فكريا يستهدف العالم. (توزي، 36).
2. القدرة على الأشكلة: إن كل ما يطرح إشكالا يشكل صعوبة للمتعلمين يوازي السؤال الفلسفي المقترح، لأنها تعتبر كصداع للرأس لحلها بصوفها مشكلة تنتمي إلى طور أو أستاذ آخر.
إن المتعلمين لا ينظرون إلى الأسئلة الفلسفية بأنها مشكلتهم بل باعتبارها مشكلة الأساتذة أو فلاسفة عصر آخر. ( تيارا كالفالي، 148).
والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف للمتعلمين الوصول إلى المعنى، خاصة إذا كان يتعلق الأمر بالأسئلة الفلسفية؟
يقترح البعض إدخال تعليم الفلسفة للأطفال كما قال ليفين (محلل نفسائي وبيداغوجي فرنسي) أو أن يعيش التلميذ الدهشة الفلسفية كما عايشها الفلاسفة والنصوص الفلسفية كفيلة بأن يعاين التلاميذ هذه التجارب ومقارنتها بواقعهم المعيشي.
3. القدرة على المحاججة: يمكن القول أن الاتجاه إلى اتخاذ النص الفلسفي كمادة يتم الاشتغال عليها، وكأداة تصل المتعلم بالخطاب الفلسفي، كمضمون معرفي وطريقة للتفكير وهو إتجاه يستدعي أسلوب التدريس البرهاني الحجاجي للمادة الفلسفية (النص) كما أنه ينمو ويكتمل به، إذ أن هذا الأسلوب بوضع المتعلمين في موقف تواصلي تفكيري مع المادة الفلسفية، أي النص، مضمونا ومقارنة. (عبد المجيد الانتصار، 476).
في البداية نقول أنه لا يوجد نموذج حجاجي واحد عام وشامل لمختلف الممارسات الحجاجية وإنما توجد استراتيجيات وأساليب حجاجية مختلفة. (شوقي المصطفى، ص 38).
وينبغي التمييز في هذا السياق بين نوعين من المحاورة:
أولا: المحاورة القريبة وتسمى مناظرة أي النظر من جانبين (عارض ومعترض) في مسألة ما قصد إظهار الصواب فيها وقد تكون مجادلة أو معاندة.
ثانيا: المحاورة البعيدة التي تسمى تناصا وهو تعالق النصوص بعضها ببعض وقد تظهر من خلال الاستشهاد والتضمين والشرح والتعليق. (شوقي المصطفى، ص 39).
يمكن للأستاذ أن يطرح مايلي حول النص:
1. ما هو السؤال الجدلي الذي يجيب عنه النص؟
2. ما هو الفعل الحجاجي الذي من خلاله يجيب النص على سؤاله الجدلي.
3. إذا كان هذا هو فعل العرض والإثبات، فما هي الدعوى المعروضة وما هو دليلها في النص؟
4. وإذا كان هو فعل الاعتراض والنفي، فما هي، الدعوى المعترض عليها وما هي حججه أو سند أو شاهد الاعتراض؟ وبالتالي ما هو نوع الاعتراض؟ هل هو اعتراض المنع أو النقص أو المعارضة؟.
5. ما هو الشكل المنطقي أو البلاغي للحجج التي يوظفها النص: هل هي على شكل استقراء أم استنباط أن تمثيل بلاغي أم مقارنة ...إلخ.
6. حاول ترتيب حجج النص تبعا لقوتها أو ضعفها مبرزا مدى انسجامها وتماسكها المنطقي، أو تناقضها مع النتيجة التي يستهدفها النص؟ وهل يحقق التسلسل المنطقي لحجج النص شروط السلم الحجاجي أم لا؟ (شوقي المصطفى، ص 56).
الكفاءات المستهدفة من تحليل النص الفلسفي:
يمكن القول بأن التعامل مع النص الفلسفي داخل الفصل الدراسي يدوم تحقيق مجموعة من الكفاءات:
- كفاءات منهجية: إن التحليل يستهدف بالدرجة الأولى إكساب المتعلم مهارات وقدرات الاشكلة والمفهمة والحجاج من أجل توظيفها في الإنشاء الفلسفي. (محمد الشبه، ص 188).
- كفاءات معرفية: لأن المنهجي يستدعي المعرفي بالضرورة، فالأول يمثل صورة المعرفة، أي منطقها وكيفية القول فيها، في حين يمثل الثاني مادة المعرفة، أي مضمونها وما يقال فيها.
- كفاءات تواصلية: لأن تحليل النصوص يستهدف خلق تفاعل وحوار بين المعلم والمتعلمين من جهة، وبين المتعلمين فيما بينهم من جهة أخرى، كما يشجع التلاميذ على إبداء الرأي واكتساب جرأة في طرح الأفكار. (محمد الشبه، ص 189).
- كفاءات قيمية: إن النص الفلسفي يقدم درسا في الحياة له رسالة تتمثل في غرس قيم الحق والخير والجمال لدى المتعلم وجعله مفيدا لنفسه ولوطنه.
خلاصة القول تمثل النصوص الفلسفية مادة معرفية مهمة وجب انتقاء نصوصها التي تخدم طريقة التدريس بالكفاءات مما يجعل مادة الفلسفة مادة محبية للتلاميذ.
ديداكتيك الإنتاج الفلسفي:
عندما تم إدراج الفلسفة في السنة الثانية ثانوي ( أقسام أدبية) فرض على التلاميذ مطالعة وتحليل كتاب فلسفي وقد تم اختيار كتاب المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي.
بداية، ماذا نعني بالنتاج الفلسفي وما هي الأهداف المسطرة من الوصاية لإدراج الإنتاج الفلسفي لطالب السنة الثانية (قسم أدأب وفلسفة) وكيف يتم تحليل هذا الإنتاج؟ أو ما هي المنهجية المتبعة لذلك؟
مفهوم الإنتاج الفلسفي: مادته تلك المؤلفات التي تركت أثر في الحياة الفكرية للإنسان بدءا بالأعمال الخالدة لأفلاطون، أرسطو، ديكارت، كانط، هيجل وصولا إلى تيارات ما بعد الحداثة (نيتشه، ليوتارد، الخ).
إن اختيار الأعمال الفلسفية في البرامج يخضع لاعتبارات قيمية وإيديولوجية وبالمرة ثقافية ففي البرنامج الفرنسي يتم التركيز على ديكارت، روسو، باشلار، وفي البرنامج الألماني توضع المؤلفات الكانطية والهيجيلية.
إن الإنتاج الفلسفي ينبثق من مواجهة تحديات جاء في افتتاحية مجلة العلوم الإنسانية (الملفات الكبرى) قرن من الفلسفة المكتبة المثالية، واجهت الفلسفة الغربية خلال القرن العشرين تحديات انتصار التقنيات واسي الحربين الكونيتين ، ومع تصاعد العلوم الاجتماعية وعلم النفس وعلوم الطبيعة كان على الفلسفة أن تتولي وتقود الفكر الإنساني.
وكان عليها أن تستجيب لهذه التحديات بوسائط خاصة بها بعد أن انقطعت عن الدين والميتافيزيقا ...... هناك ثلاث إبداعات وثلاث رؤى جديدة ميزت النصف الأول من هذا القرن: فينومنولوجيا هوسرل، براغمانية ويليام جيمس، والمقاربة التحليلية لفيتحشتاين، أما النصف الثاني من القرن فميزتها اليوتوبيات الحديثة التي انتقدت قيم الأنوار واليقينيات العلمية. (Nicolas Jurnet, P23)
أهداف الإنتاج الفلسفي:
جاء في مقدمة كتاب "نصوص فلسفية ( السنة الثانية (الشعب الأدبية) " إننا لنجد في قراءة التلميذ لإنتاجيات الفلسفية واشتغاله عليها ودخوله في مناقشات استدلالية مع المفكرين وسطا خصبا لاكتشاف الفكر الفسلفي واكتساب مفاهيم ومهارات منطقية وحصيلة معرفية يتدرج فيها نحو اليقظة الفكرية وتحرى الاستقامة الفكرية والنظرة التركيبية,
إضافة إلى هذه الأهداف تبقي الأهداف المعرفية مهمة، إذ إن التلميذ في هذه المرحلة يكتسب ثقافة فلسفية ويربط المجهود الفلسفي بالإطار الزمني والمكاني الذي ظهر فيه.
تقنيات دراسة الإنتاج الفلسفي:
1- معرفة حياة الفيلسوف وأعماله: وهذا مهم جدا ويساهم ذلك في فهم المسار الفكري للفيلسوف والظروف السياسية التي عاشها المفكر فعندما نتحدث عن الغزالي نعرف المنحي الفكري لحياته من دراسة الفلسفة ثم نقدها، مرحلة الشك، وأخيرا مرحلة التصرف.
2- الإطار الفكري للكتاب أو المؤلف: وهذا لفهم التحديات الفكرية التي عاشها الفيلسوف والكتاب قد يكون رد فعل ضد سلطة دينية أو نقدا لمؤلف سابق فكتاب تهافت التهافت لابن رشد رد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي، وكتاب فصل المقال لابن رشد محاولة لبيئة الفلسفة داخل المجتمع الإسلامي، الخ
3- إشكالية الكتاب: وهو التساؤل العام الذي يحمل توترا فكريا ، فهو أشبه بمعضلة، فعلى سبيل المثال وضع في البرنامج السؤال التالي: كيف استطاع أبو حامد الغزالي في رسالة المنقذ من الضلال الوصول إلى العلم التقني أمام اختلافات الناس في الميل والديانة والمذاهب وتشعب سبل الوصول فيه إلى استخلاص الحق.
4- الحوصلة الجزئية ويتم تحليل مكونات الكتاب مع التركيز على ما كتبه أبو حامد الغزالي بالتحليل والنقاش
5- محاولة حل المشكلة وفيها يقوم الإنسان بالتعاون مع التلاميذ على حل الإشكالية.
عموما يصطدم أستاذ الفلسفة بضيق الوقت لتقديم الدرس جيدا لان العرض عموما يخصص له حصة واحدة في الشهر وهذا غير كاف والملاحظة النقدية التي وجهت لهذا الكتاب أي المنقذ من الضلال واضع الكتاب ركز على مفكر رافض للفلسفة أي وكان بالإمكان وضع كتب لابن باجه أوابن طفيل أوابن رشد .
ديداكتيك العروض الفلسفية
العروض أو البحوث الفلسفية: ما يميز العروض الفلسفية في المرحلة الثانوية أنها تدرب التلميذ على ممارسة البحث العلمي قبل الالتحاق بالجامعة وقد كانت الغاية من تكليف التلاميذ في المرحلة النهائية من التعليم الثانوي إكساب الطلبة القدرة على البحث وجمع المعلومات الفلسفية وتقديمها لزملائهم.
أهداف العروض الفلسفية:
- تنمية الثقافة الفلسفية لدى التلميذ وتشجيعهم على المطالعة.
- تدريبهم على تقنيات البحث العلمي.
- تعويدهم على فنيات عرض البحث داخل القسم وأمام زملائهم.
- تدعيم المعارف التي يكتسبونها داخل القسم بمعارف منتقاة من الكتب الخارجية.
تقنيات كتابة عرض فلسفي:
بناء مقدمة ويعرض فيها الطالب الأسئلة الفلسفية المراد عرضها أثناء الحصة والتي:
- عرض خطة البحث.
- تحليل مضمون العرض.
- عرض المصادر والمراجع المعتمد عليها.
- النتائج المتوصل إليها.
عموما فإن ديداكتيك العروض الفلسفية أشبه بمنهجية كتابة بحث علمي مع فارق عميق وهو أن مدة العرض لا تتجاوز 40 دقيقة ثم تختم الحصة بأسئلة يطرحها الأستاذ والطلبة وهذا التقييم مجهود التلميذ العارض للبحث.
قائمة المراجع:
ü باللغة العربية:
1. الخمسي (عبد اللطيف)، رهانات الفلسفة وبيداغوجيا القيم الإنسانية، منشورات دار التوحيد (الرباط)، 2013.
2. المصطفى (شوقي)، المجاز والحجاج في درس الفلسفة بين الكلمة والصورة، دار الثقافة (الدار البيضاء، المغرب)، 2005.
3. الإنتصار (عبد المجيد)، الأسلوب البرهاني الحجاجي في تدريس الفلسفة من أجل ديداكتيك مطابق، دار الثقافة (الدار البيضاء) 1997.
4. الشبه (محمد)، من وحي الدرس الفلسفي لإشكلات وحدوس ديداكتيكية، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2015.
5. الخطابي (عز الدين)، حوار الفلسفة والبيداغوجيا، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 2002.
6. روجيرس (كظافييه)، الاشتغال بالكفاءات، تقنيات بناء الوضعيات لإدماج التعلمات: ترجمة الحسن سحبان وعبد العزيز سيعود، مكتبة المدارس، الدار البيضاء، 2009.
7. توزي (ميشيل) ومن معه، بناء القدرات والكفايات في الفلسفة: ترجمة حسن أحجيج، منشورات عالم التربية.
8. بوبكري (محمد)، التربية والحرية، من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي، إفريقيا للشرق، الدار البيضاء، 2000.
9. النقاري(حمو)، روح التفلسف، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت لبنان، 2017.
10. يعقوبي(محمود)، أصول الخطاب الفلسفي (محاولة في المنهجية)، الديوان الوطني للمطبوعات ، الجزائر، 1993.
11. محمود أبو زيد إبراهيم، طرق تدريس المواد الفسلفية، دار الكتب، القاهرة، مصر.
12. محمد نجيب عبد المولى واحرون، كتاب الفلسفة لتلاميذ السنة الرابعة ثانوي آداب،
المركز الوطني البيداغوجي (تونس)، 2009.
. 13محمد مزوز، منار الفلسفة السنة الأولى من سلك البكالوريا سلك الآداب و العلوم الإنسانية، TRIDITION 2007.
14. حسين بن عبد السلام وآخرون، إشكاليات فلسفة السنة الثالثة ثانوي آداب وفلسفة، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسة 2007.
15. احمد و رياشي وآخرون، نصوص فلسفة للسنة ثانية آداب، المعهد التربوي الوطني 1999
16. العربي اسليماني، المعين في التربية، الجزء الأول المطبعة والوراقة الوطنية، 2016
17. عبد القادر لورسي المرجع في التعليمية، دار جسورالجزائر، 2016
. 18 سعاد محمد فتحي، اتجاهات حديثة في تطوير مناهج الفلسفة وتدريس الفلسفة للأطفال، ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع (القاهرة)، ط1، 2004.
19 محمد لمباشري، الخطاب الديداكتيكي بالمدرسة الاساسية بين التصور والممارسة، دار الثقافة (الدار البيضاء –المغرب) ط، 2002
. 20 ماثيو ليبمان، المدرسة وتربية الفكر: ترجمة إبراهيم يحي الشهابي، دمشق (وزارة الثقافة)، سوريا، 1998.
المقالات:
1. توزي (ميشيل)، البناء الهوياتي للمتعلم عبر المساءلة والمناقشة ذات الطابع الفلسفي، ترجمة حمد الإدريسي، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 37،38، 2016.
2. كافلي (شيارا)، تأملات حول الدهشة وتدريس الفلسفة في التعليم ما قبل الجامعي، ترجمة رشيد مشهور، مجلة العرب والفكر العالمي، ع، 37-38، 2016.
3. العلوي (رشيد)، عن هوية مدرس الفلسفة، مجلة دراسات فلسفية، العدد 8، أفريل 2017، الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية.
4. يعقوبي (محمد)، مشكلة تعليم الفلسفة، مجلة الميرز، العدد2، جويلية/ ديسمبر 1993.
5. بن جدو (هشام)، والإنشاء الفلسفي:الأسس النظرية والإجرائية، مجلة دراسات فلسفية، العدد4، أفريل 2015.
6. بن ولهة (توفيق)، المقاربة بالكفاءات والدرس الفلسفي، مجلة دراسات فلسفية، العدد 04، أفريل 2015.
7. فائز (إسماعيل)، الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب: رؤية نقدية، مجلة أفكار، العدد 11، دجنبر 2016.
8. سحيان (الحسن)، الأمثلة في درس الفلسفة، مجلة ديداكتيكا، العدد 03، دجنبر 1992.
9. أكراطي (عمر)، القيم في مادة الفلسفة واقع تعليم وإشكالية تقويم، مجلة علوم التربية (المغرب)، العدد 71، يناير 2018.
10. الزاهيد(مصطفى)، الفلسفة في عالم متصدع، مجلة علوم التربية، العدد 67، يناير 2017.
المصادر باللغة الفرنسية:
1. Hegel (W .F) . T Pédagogiques, Trad , rin, 1978 .
2. Kant (E),Critique de la raison pure, PV.F, 1990.
المراجع بالفرنسية:
1. Dominique Folscheid, Jean- Jaques Wanemburger, Phillippe Choulet , Méthodologie philosophique, PUF, 2013 .
2. Michel Tozzi eral, L’eveil de la pensée reflexive à l’ecole primaire, Hachette (PARIS) . 2002.
3. Michel Tozzi eral , Apprendre a philosopher par la discution :pour quoi ? Comment ? de boek, 2007.
المقالات باللغة الفرنسية
1-Luc ferry, sur les programmes de philosophie, le débat no : 101/1/1998
2-Bernard bourgeois, les attentes culturelles et l’exigence philosophique. Le débat no : 1/4/1998.
3-Andre pessel, la philosophie des programmes actuels de philosophie 1998/4 No : 101,
4-Pascal engel, réinventer la philosophie générale, le débat, 1998/4 no : 101
5-Pierre Henri, touvoillot, la fin du modèle français, le débat 1998/4 no :102.
6-Alain Renault, clarifier les possibles no : 101/1998/4.

تعليمية الفلسفة2
تدريس الفلسفة(في التعليم المدرسي)
غنيٌّ عن البيان أنّ تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ هو تدريس لمادّة مثلَ بقيّة الموادّ الأخرى التي يُختبر المتعلّمون في مدى تملّكهم بعض المهارات والكفايات فيها طيلة السنوات الثلاث في المرحلة الثانويّة التأهيليّة. لذلك، فالفلسفة التي نراهن عليها ليست بالمعنى الأكاديميّ والعلميّ الخالص؛ أي التيّارات والمدارس الفكريّة في تاريخ الفلسفة وتفاصيلها، بقدر ما أنها تروم – في التعليم المدرسيّ - تمكين المتعلّم من بعض الخصائص العامّة للفكر الفلسفيّ (النقد، والتحليل، والحِجاج ... إلخ) في قراءة بعض النصوص الفلسفيّة، والثقافيّة، والسوسيو-ثقافيّة، الملائمة للنموّ العقليّ الوجدانيّ للمتعلّم.
يبحث هذا المقال في تساؤلات: لماذا لا ننتبه إلى أنّ تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ هو مادّة تعليميّة مدرسيّة مثل بقيّة المواد الأخرى؟ كيف نفسّر أنّ مهمّة تدريس الفلسفة هي تهيئة المتعلّم ليكون مواطنًا ناقدًا مسؤولًا؟ إلى أيّ حدّ يمكننا القول إنّ تدريس الفلسفة هو تدريس للمهارات؟ ما هي مؤشّرات تدريس الفلسفة ومستنداته؟ هل هذا يجعلنا، مرّة أخرى، أمام وضع مقلق بين دور المتفلسف ودور البيداغوجيّ؟
يبدو أنَّ التفكير في تدريس الفلسفة لا يمكن بصورة حرّة أو مطلقة من دون شروط أو نصوص منظِّمة؛ يتعيّن على مدرّس هذه المادّة أن يطّلعَ على هذه النصوص سواءً تعلّق الأمر بمنهجيّة تدريسها (المفهمة –الأشكلة – الحِجاج، كما سنوضح لاحقًا) أو تقويمها وفق مستويات مرحلة البكالوريا. من ثمّ، فدرس الفلسفة في التعليم الثانويّ هو درس في البيداغوجيا أيضًا، بخلاف المستوى الجامعيّ حيث يكون في الأفكار والنظريّات والتيّارات؛ فلكلّ مستوًى غاياته وأهدافه.
أولًا: التفاعل البيداغوجيّ والديداكتيكيّ في درس الفلسفة
التربية هي نقل القيم الأخلاقيّة والدينيّة والاجتماعيّة إلى الأجيال اللاحقة (روبول، 1994)؛ بغية تكوين حصانةٍ ضدّ من أراد أن يكسّر بنياتها ونُظمها، وقد تكون التربية بالمعنى الأكثر فاعليّة تحرير الإنسان مما يمنعه من تحقيق ذاته (الشرقي، 2017). ومما يفيدُ مدرّس الفلسفة في التعليم المدرسيّ أنّه يعي طبيعة العادات والتقاليد المقيّدة للفرد والمتعلّم، ويحتاج نقده لهذه العادات إلى تمكين المتعلّمين من معرفةٍ بانوراميّة بمفهوميّ الثقافة والطبيعة؛ ما قد يمنعهم من تبنّي أحكام جاهزة في المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة. كما يحتاج المدرّس إلى توعية المتعلّمين بأنّ تاريخ الإنسانيّة هو تاريخ اختلاف المعتقدات والأفكار والطبائع أيضًا؛ وهذا ما يجعله يمارس النقد والتحليل بمعيّة الطلّاب. لكنّ دوره يكون دورًا توجيهيًّا وإرشاديًّا للنقاش الذي تثيره التساؤلات والإشكالات المتعلّقة بالنقد. بهذا، يكون المدرّس قد حقّق ماهيّة الفلسفة التي هي المساءلة والإحراج الإشكاليّ Aporétique من دون أن يفقده ذلك خبرته البيداغوجيّة والتربويّة في تحيين القضايا وتذليلها للمتعلّمين.
ليس من المفيد أن تبقى الفلسفة خارج المؤسّسة، بل يتعيّن أن تتيح المؤسّسة التربويّة والسياسيّة فرصة ممارسة الفهم والتأويل والقراءة لنصوص فلسفيّة من مختلف الحضارات العربيّة والإسلاميّة والوسيطة والحديثة والمعاصرة. إنّها فرصةٌ لمحاولة مواجهة النصّ وتدارسه مع المتعلّم، وكذلك تجريب قدرة المدرّس على نقل المعرفة العالمة le savoir savant إلى المعرفة المدرسيّة le savoir scolaire؛ وهذا ما يسمّى النقل الديداكتيكيّ transposition didactique (جونايير وبورخت. 2011). فهل تفقد الفلسفة في هذا الوضع التعليميّ التعلّميّ (بشقّيه البيداغوجيّ والتربويّ) روحها النقديّة؟
ثانيًا: من السؤال الأيديولوجيّ إلى منطق التعلّمات
سوف نجيب عن التساؤل الأخير على مستويين: يتمثّل المستوى الأوّل في أنّ علاقة الفلسفة بالبيداغوجيا والتدريسيّة علاقة تاريخيّة. ولعلّ النموذج الأمثل في هذا السياق هو سقراط والسفسطائيّون؛ فكلاهما كان يعمل على تطوير الإشكاليّة أو الفكرة بأسلوبين مختلفين، وكلاهما يفيد المستمع والمخاطَب في تمثّل الأفكار والتصوّرات، رغم أنّ الخلفيّة الثانويّة وراء هذين الأسلوبين التدريسيّين تحمل رؤيةً مذهبيّةً قد تبدو لنا متضادّةً؛ أي نسبيّةً في الحقائق وثبوتها. لكنّ المفارقة هي أن تتّسم الفكرة بالموثوقيّة والمعقوليّة، بينما يفتقد صاحبها للأسلوب، وهذا ما يشبه الدفاع الفاشل عن قضيّة عادلة.
إنّ البيداغوجيا والتلقين ونقل المعارف من المتكلّم إلى المستمع قد لا يكون عائقًا أمام تصريف الأفكار والدفاع عنها. ومن ثمّ، فتدريس الفلسفة بطرق بيداغوجيّة معينة قد لا يفقد روح النقد لدى الفلسفة، بل تكاد تكون المشكلة الحقيقيّة هي عمليّة النقل الديداكتيكيّ للمعلومات والمكتسبات العلميّة والفكريّة والإبداعيّة، وإلّا سنكون مثل من يتّهم المرآة، ويتغافل عن اتّهام نفسه!
أما المستوى الثاني فيتعلق بأنّ تدريس الفلسفة في الكتاب المدرسيّ يحصرها في بعض المفاهيم والتفاصيل التي قد لا تكون ملائمةً لتطوّر المجتمع العربيّ وآفاقه، بل قد تكون الفلسفة في بعض الدول العربيّة غارقةً في الأيديولوجيا، كأنها تحوّلت إلى خدمة أجندات معيّنة، مع أنّ منطق الفلسفة هو غير منطق الأيديولوجيا. فضلًا عن ذلك، فإنّ بعض الممارسات المهنيّة تكون وفيّةً لرؤيتها السياسيّة والأيديولوجيّة في عمليّة بناء الدرس الفلسفيّ داخل الصفّ.
تدريس الفلسفة مدرسيًّا
لا بدّ من التنبيه إلى أنّ تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ قد مرّ بتحوّلات كبيرة، كان فيما سبق للأيديولوجيّ الدور الأساسيّ في قراءة النصوص الفلسفيّة والتراث العربيّ بصورة مباشرة، حتى صار درسُ الفلسفة درسًا في الأيديولوجيا. من جهة الهندسة البيداغوجيّة، يمكن القول إنّ البرنامج السائد حينها هو التدريس بالمضامين والمحتويات، والاستناد إلى آليّات التحفيز وشحذ الهمم والتأثير المباشر في المخاطَب. أمّا اليوم، فقد أضحى برنامج تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ هو التدريس بالمفاهيم والتفاصيل، ليكون الغرض هو تمكين المتعلّم من قدرات وكفايات ومهارات يعمل على استرجاعها. في المجمل، هل تعود الفرادة في إنتاج النصوص الفلسفيّة التأسيسيّة إلى الطرق البيداغوجيّة والتعلّميّة؟
يحتاج هذا السؤال إلى تأملٍ آخرَ للإجابة عنه وفق المقارنات الدقيقة بين الكتب المدرسية والمقرّرات المعتمدة في التعليم المدرسي، وكذلك رصد النظريات البيداغوجيّة التي كانت تعين على تصريف الدرس الفلسفيّ. لقد أسهمت الثقافة المدرسية، مثلًا، في إنتاج نصوص فلسفيّة تأسيسيّة. هنا أيضًا نقف عند مفارقة نعبّر عنها بالسؤالين التاليين: لماذا أنتجت لنا الفلسفة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي فكرًا فلسفيًّا وتنظيرًا أيديولوجيًّا كبيرًا في غياب الهواجس البيداغوجيّة والتدريسيّة؟ ولماذا يكاد يغيب ذلك النوع من الإنتاج الفلسفيّ في ظل العدّة البيداغوجيّة الضخمة؟
كأنّنا هنا لا نكاد نخرج من مفارقة، إلّا ونقع في أخرى. لا بدّ من الاعتراف أنّ لغة التعميم الأيديولوجيّ والتقسيمات البسيطة للأفكار والتصوّرات لم تعد لها مكانة في ثقافتنا اليوم، ولا سيّما أنّ الفكر الفلسفيّ لم يعد كما كان سابقًا، بل صار فكرًا متداخل الأبعاد والوظائف؛ إنّه فكرٌ مركبٌ ما يجعل البيداغوجيا أيضًا يساوقه طبيعته في إنتاج فكر مركّب متعدّد الأبعاد، كما يقول إدغار موران (2014). إذا كان للأيديولوجيا منطق حفظ الهويّة والتماسك خشية التناقض والتصدّع، لأنَّ ذلك يفضي إلى موتها وانهيارها، فإنّ منطق الفلسفة اليوم لا يهاب التناقض أو وجود المتضادات فيها، بل إنّ حملها هذه السمات هو المحرّك الرئيس لإبداعيّتها واستمراريّتها. وبهذا، فالخوف كلّ الخوف من أن تتحوّل الفلسفة إلى أيديولوجيا..
إنّ الاطّلاع على بنية الكتب المدرسيّة لمادّة الفلسفة في المغرب، على سبيل المثال لا الحصر، يجعلنا نستنتج أن مؤشّرات وجود الفكر الناقد بارزة ضمنها، وتظهر في صورة المتعلّم، الذي أضحى الفاعل الحقيقيّ في بناء الدرس. فالمدرّس لم يعد كما كان في سياق بيداغوجيا تهدف إلى تفكيك سلوكاته التعلّميّة إلى أجزاء، وتقييمها بصورة آليّة ميكانيكيّة، بل صار المتعلّم الهدف الأساسيّ في العمليّة التعليميّة – التعلّميّة، بوساطة عمليّات التفاعل البيداغوجيّ والتعلّميّ مع المدرّس، فضلًا عن التركيز على المهارات والكفايات النوعيّة: الاستراتيجيّة والثقافيّة والتواصليّة والمنهجيّة، التي تدفع المتعلّم إلى التحلّي بالوعي النقديّ، والقيام بالواجب، وتحمّل المسؤوليّة، والتخليّ عن السلبيّة والاتّباع والتفكير الخرافيّ.
مثلّث الروح النقديّة: الأشكلة والمفهمة والحِجاج
لا يخفى دور الجانب الديدياكيتكيّ في شحذ تلك الروح النقديّة المتمثلّة في مثلث ميشيل طوزي (2018): الأشكلة Problématisation التي تسعى إلى وضع المتعلّم في وضع محرج ومفارق يحفزّه على استدعاء موارده المعرفيّة المكتسبة لحلّ هذه الوضعيّة سواءً أكانت عمليّة أم نظريّة. والمفهمة Conceptualisation التي يُطلب من المتعلّم أن يرصد تحوّلات المفاهيم في النصّ الفلسفيّ ودورها في تشكّل ما يسمّى السند Support. ومن ثمّ، فالأشكلة لم يكن لها طريق الحلّ إلّا عن طريق الترصّد المفاهيميّ، ودوره في السياقات المختلفة في إنشاء هذه الفلسفة التي هي محلّ القراءة والتعقّل والنقد للفلسفات الأخرى بصورة ظاهرة أو خفيّة. أما الحِجاج Argumentation فيعدّ مرحلةً أساسيّة في عمليّة قراءة النصّ الفلسفيّ قراءةً منظّمة، تدفع المتعلّم إلى كشف الاستراتيجيّات اللغويّة والبلاغيّة والمنطقيّة التي كانت وراء تمرير هذا الموقف أو ذاك، وهذه الأطروحة أو تلك. فأيّ دعوى بالمعنى المنطقيّ لا بدّ لها من براهين وحجج لترسيخها في نفس المستمع. لذلك، على المدرّس أن يدفع المتعلّم إلى التفطّن إلى هذه المهارة في إنشاء التصوّرات والمعارف. والأهمّ في هذا السياق أنّ الحجاج الفلسفيّ محلّ الممكن والاحتمال، لا محل الضرورة والمطلق.
بناءً عليه، فإنّ مؤشرات النقد، ولواحقه كالشكّ والمراجعة والتشريح، لم تكن غائبةً عن المقرّرات الدراسيّة بصورة مطلقة، بل إنّ بيداغوجيا حلّ المشكلات والفارقيّة من البيداغوجيّات الحديثة التي تمنح المتعلّم فرصة التعبير عن رأيه ووجهة نظره، والإحساس بالاستقلال الذاتيّ، وبناء مشاريعه الشخصيّة. ومن المؤكد أنّ فرصة مواجهة المتعلّم بمعيّة مدرّسه لنصوص فلاسفة مثل Descartes، وKant، وHusserl، وابن رشد، تمنحه أيضًا قدرات على التحليل والتركيب والتأويل والتقييم وفق المنطق الثلاثيّ: الأشكلة والمفهمة والحِجاج.
خلاصة
أعتقد أنّ الصراع بين المدافعين عن بيداغوجيا خاصّة بالدرس الفلسفيّ وبين المناصرين لفكرة استفادة مادّة الفلسفة - كمادّة مدرسيّة - من علوم التربية، لم يعد يثير الاهتمام اليوم؛ لأنّ الفكر أضحى مركّبًا ومتعدّد الأبعاد والوظائف. ومن ثمّ، هل الفلسفة تحتاج إلى بيداغوجيا وخطاب خاصّ بمنهجيّة التدريس؟ إنه سؤالٌ أيديولوجيّ في جوهره. تتعلّق المسألة برصد أسباب تراجع التفكير الناقد ومؤشّراته في التعليم المدرسيّ؛ ذلك التفكير الذي يغذّيه تدريس الفلسفة بالدرجة الأولى. حينما يقرأ المتعلّم نصوص رينيه ديكارت، وابن رشد، و"شذرات" فريدريك نيتشه، ورسالة في التسامح لجون لوك في الصفّ الدراسيّ، فإنّه يعيش لحظات تنويريّة وعقلانيّة يتفاعل فيها مع المدرّس وزملائه بالسؤال والاستفسار وإبداء الرأي، بيد أنّ المفارقات تظهر حينما يصطدم هذا المتعلّم مع واقع لاعقلانّي، حيث الكلمة العليا فيه للفردانيّة المنحطّة والمنفعة اللّامشروعة. نفكّر أحيانًا بمنطق الانقلاب على القيم والأخلاق والعقل في سياق تعامله مع الآخرين وأسرنا وأصدقائنا. إنّه منطق أضحى هو القاعدة، بينما الالتزام بحقوق الأفراد والجماعات والدفاع عن إنسانيّة الإنسان صار هو الطارئ. لعلّ ما ندرسه في الفلسفة في حجرات الدرس بتقنيّات تدريسيّة رفيعة، وبيداغوجيا مثاليّة قد يسهم في خلق هذا النوع من المفارقات في وجدان المتعلّم، وقد يكون المدرّس السبب الرئيس في عرقلة ممارسة النقد وآليّاته، بفعله المعرفيّ وطريقة إدارته للدرس وتخطيطه وتعامله مع المتعلّمين.
المراجع:
جونايير، فيليب؛ وبورخت، سيسيل. التكوين الديداكتيكي للمدرسين: التدريس بالكفايات من خلال خلق شروط التعلّم. ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي. مطبعة النجاح الجديدة.
روبول، أوليفييه (1994). فلسفة التربية. ترجمة عبد الكبير معروفي. دار توبقال.
الشرقي، محمد (2017). البيداغوجيا: مفهوم، تاريخ ومقاربات (دراسة تركيبية). فضاء آدم.
طوزي، ميشيل (2018). المقاربة بالكفايات في تدريس الفلسفة. ترجمة عزالدين الخطابي. مؤمنون بلا حدود.
Morin, E. (2014). Introduction à la pensée complexe. Essais.

تعليمية الفلسفة2
خلاصة
أعتقد أنّ الصراع بين المدافعين عن بيداغوجيا خاصّة بالدرس الفلسفيّ وبين المناصرين لفكرة استفادة مادّة الفلسفة - كمادّة مدرسيّة - من علوم التربية، لم يعد يثير الاهتمام اليوم؛ لأنّ الفكر أضحى مركّبًا ومتعدّد الأبعاد والوظائف. ومن ثمّ، هل الفلسفة تحتاج إلى بيداغوجيا وخطاب خاصّ بمنهجيّة التدريس؟ إنه سؤالٌ أيديولوجيّ في جوهره. تتعلّق المسألة برصد أسباب تراجع التفكير الناقد ومؤشّراته في التعليم المدرسيّ؛ ذلك التفكير الذي يغذّيه تدريس الفلسفة بالدرجة الأولى. حينما يقرأ المتعلّم نصوص رينيه ديكارت، وابن رشد، و"شذرات" فريدريك نيتشه، ورسالة في التسامح لجون لوك في الصفّ الدراسيّ، فإنّه يعيش لحظات تنويريّة وعقلانيّة يتفاعل فيها مع المدرّس وزملائه بالسؤال والاستفسار وإبداء الرأي، بيد أنّ المفارقات تظهر حينما يصطدم هذا المتعلّم مع واقع لاعقلانّي، حيث الكلمة العليا فيه للفردانيّة المنحطّة والمنفعة اللّامشروعة. نفكّر أحيانًا بمنطق الانقلاب على القيم والأخلاق والعقل في سياق تعامله مع الآخرين وأسرنا وأصدقائنا. إنّه منطق أضحى هو القاعدة، بينما الالتزام بحقوق الأفراد والجماعات والدفاع عن إنسانيّة الإنسان صار هو الطارئ. لعلّ ما ندرسه في الفلسفة في حجرات الدرس بتقنيّات تدريسيّة رفيعة، وبيداغوجيا مثاليّة قد يسهم في خلق هذا النوع من المفارقات في وجدانن المتعلّم، وقد يكون المدرّس السبب الرئيس في عرقلة ممارسة النقد وآليّاته، بفعله المعرفيّ وطريقة إدارته للدرس وتخطيطه وتعامله مع المتعلّمين.
المراجع:
جونايير، فيليب؛ وبورخت، سيسيل. التكوين الديداكتيكي للمدرسين: التدريس بالكفايات من خلال خلق شروط التعلّم. ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي. مطبعة النجاح الجديدة.
روبول، أوليفييه (1994). فلسفة التربية. ترجمة عبد الكبير معروفي. دار توبقال.
الشرقي، محمد (2017). البيداغوجيا: مفهوم، تاريخ ومقاربات (دراسة تركيبية). فضاء آدم.
طوزي، ميشيل (2018). المقاربة بالكفايات في تدريس الفلسفة. ترجمة عزالدين الخطابي. مؤمنون بلا حدود.
Morin, E. (2014). Introduction à la pensée complexe. Essais.

تعليمية الفلسفة2
تدريس الفلسفة مدرسيًّا
لا بدّ من التنبيه إلى أنّ تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ قد مرّ بتحوّلات كبيرة، كان فيما سبق للأيديولوجيّ الدور الأساسيّ في قراءة النصوص الفلسفيّة والتراث العربيّ بصورة مباشرة، حتى صار درسُ الفلسفة درسًا في الأيديولوجيا. من جهة الهندسة البيداغوجيّة، يمكن القول إنّ البرنامج السائد حينها هو التدريس بالمضامين والمحتويات، والاستناد إلى آليّات التحفيز وشحذ الهمم والتأثير المباشر في المخاطَب. أمّا اليوم، فقد أضحى برنامج تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ هو التدريس بالمفاهيم والتفاصيل، ليكون الغرض هو تمكين المتعلّم من قدرات وكفايات ومهارات يعمل على استرجاعها. في المجمل، هل تعود الفرادة في إنتاج النصوص الفلسفيّة التأسيسيّة إلى الطرق البيداغوجيّة والتعلّميّة؟
يحتاج هذا السؤال إلى تأملٍ آخرَ للإجابة عنه وفق المقارنات الدقيقة بين الكتب المدرسية والمقرّرات المعتمدة في التعليم المدرسي، وكذلك رصد النظريات البيداغوجيّة التي كانت تعين على تصريف الدرس الفلسفيّ. لقد أسهمت الثقافة المدرسية، مثلًا، في إنتاج نصوص فلسفيّة تأسيسيّة. هنا أيضًا نقف عند مفارقة نعبّر عنها بالسؤالين التاليين: لماذا أنتجت لنا الفلسفة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي فكرًا فلسفيًّا وتنظيرًا أيديولوجيًّا كبيرًا في غياب الهواجس البيداغوجيّة والتدريسيّة؟ ولماذا يكاد يغيب ذلك النوع من الإنتاج الفلسفيّ في ظل العدّة البيداغوجيّة الضخمة؟
كأنّنا هنا لا نكاد نخرج من مفارقة، إلّا ونقع في أخرى. لا بدّ من الاعتراف أنّ لغة التعميم الأيديولوجيّ والتقسيمات البسيطة للأفكار والتصوّرات لم تعد لها مكانة في ثقافتنا اليوم، ولا سيّما أنّ الفكر الفلسفيّ لم يعد كما كان سابقًا، بل صار فكرًا متداخل الأبعاد والوظائف؛ إنّه فكرٌ مركبٌ ما يجعل البيداغوجيا أيضًا يساوقه طبيعته في إنتاج فكر مركّب متعدّد الأبعاد، كما يقول إدغار موران (2014). إذا كان للأيديولوجيا منطق حفظ الهويّة والتماسك خشية التناقض والتصدّع، لأنَّ ذلك يفضي إلى موتها وانهيارها، فإنّ منطق الفلسفة اليوم لا يهاب التناقض أو وجود المتضادات فيها، بل إنّ حملها هذه السمات هو المحرّك الرئيس لإبداعيّتها واستمراريّتها. وبهذا، فالخوف كلّ الخوف من أن تتحوّل الفلسفة إلى أيديولوجيا..
إنّ الاطّلاع على بنية الكتب المدرسيّة لمادّة الفلسفة في المغرب، على سبيل المثال لا الحصر، يجعلنا نستنتج أن مؤشّرات وجود الفكر الناقد بارزة ضمنها، وتظهر في صورة المتعلّم، الذي أضحى الفاعل الحقيقيّ في بناء الدرس. فالمدرّس لم يعد كما كان في سياق بيداغوجيا تهدف إلى تفكيك سلوكاته التعلّميّة إلى أجزاء، وتقييمها بصورة آليّة ميكانيكيّة، بل صار المتعلّم الهدف الأساسيّ في العمليّة التعليميّة – التعلّميّة، بوساطة عمليّات التفاعل البيداغوجيّ والتعلّميّ مع المدرّس، فضلًا عن التركيز على المهارات والكفايات النوعيّة: الاستراتيجيّة والثقافيّة والتواصليّة والمنهجيّة، التي تدفع المتعلّم إلى التحلّي بالوعي النقديّ، والقيام بالواجب، وتحمّل المسؤوليّة، والتخليّ عن السلبيّة والاتّباع والتفكير الخرافيّ.
مثلّث الروح النقديّة: الأشكلة والمفهمة والحِجاج
لا يخفى دور الجانب الديدياكيتكيّ في شحذ تلك الروح النقديّة المتمثلّة في مثلث ميشيل طوزي (2018): الأشكلة Problématisation التي تسعى إلى وضع المتعلّم في وضع محرج ومفارق يحفزّه على استدعاء موارده المعرفيّة المكتسبة لحلّ هذه الوضعيّة سواءً أكانت عمليّة أم نظريّة. والمفهمة Conceptualisation التي يُطلب من المتعلّم أن يرصد تحوّلات المفاهيم في النصّ الفلسفيّ ودورها في تشكّل ما يسمّى السند Support. ومن ثمّ، فالأشكلة لم يكن لها طريق الحلّ إلّا عن طريق الترصّد المفاهيميّ، ودوره في السياقات المختلفة في إنشاء هذه الفلسفة التي هي محلّ القراءة والتعقّل والنقد للفلسفات الأخرى بصورة ظاهرة أو خفيّة. أما الحِجاج Argumentation فيعدّ مرحلةً أساسيّة في عمليّة قراءة النصّ الفلسفيّ قراءةً منظّمة، تدفع المتعلّم إلى كشف الاستراتيجيّات اللغويّة والبلاغيّة والمنطقيّة التي كانت وراء تمرير هذا الموقف أو ذاك، وهذه الأطروحة أو تلك. فأيّ دعوى بالمعنى المنطقيّ لا بدّ لها من براهين وحجج لترسيخها في نفس المستمع. لذلك، على المدرّس أن يدفع المتعلّم إلى التفطّن إلى هذه المهارة في إنشاء التصوّرات والمعارف. والأهمّ في هذا السياق أنّ الحجاج الفلسفيّ محلّ الممكن والاحتمال، لا محل الضرورة والمطلق.
بناءً عليه، فإنّ مؤشرات النقد، ولواحقه كالشكّ والمراجعة والتشريح، لم تكن غائبةً عن المقرّرات الدراسيّة بصورة مطلقة، بل إنّ بيداغوجيا حلّ المشكلات والفارقيّة من البيداغوجيّات الحديثة التي تمنح المتعلّم فرصة التعبير عن رأيه ووجهة نظره، والإحساس بالاستقلال الذاتيّ، وبناء مشاريعه الشخصيّة. ومن المؤكد أنّ فرصة مواجهة المتعلّم بمعيّة مدرّسه لنصوص فلاسفة مثل Descartes، وKant، وHusserl، وابن رشد، تمنحه أيضًا قدرات على التحليل والتركيب والتأويل والتقييم وفق المنطق الثلاثيّ: الأشكلة والمفهمة والحِجاج.

تعليمية الفلسفة2
تدريس الفلسفة(في التعليم المدرسي). يوسف بن عدي-المغرب
غنيٌّ عن البيان أنّ تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ هو تدريس لمادّة مثلَ بقيّة الموادّ الأخرى التي يُختبر المتعلّمون في مدى تملّكهم بعض المهارات والكفايات فيها طيلة السنوات الثلاث في المرحلة الثانويّة التأهيليّة. لذلك، فالفلسفة التي نراهن عليها ليست بالمعنى الأكاديميّ والعلميّ الخالص؛ أي التيّارات والمدارس الفكريّة في تاريخ الفلسفة وتفاصيلها، بقدر ما أنها تروم – في التعليم المدرسيّ - تمكين المتعلّم من بعض الخصائص العامّة للفكر الفلسفيّ (النقد، والتحليل، والحِجاج ... إلخ) في قراءة بعض النصوص الفلسفيّة، والثقافيّة، والسوسيو-ثقافيّة، الملائمة للنموّ العقليّ الوجدانيّ للمتعلّم.
يبحث هذا المقال في تساؤلات: لماذا لا ننتبه إلى أنّ تدريس الفلسفة في التعليم المدرسيّ هو مادّة تعليميّة مدرسيّة مثل بقيّة المواد الأخرى؟ كيف نفسّر أنّ مهمّة تدريس الفلسفة هي تهيئة المتعلّم ليكون مواطنًا ناقدًا مسؤولًا؟ إلى أيّ حدّ يمكننا القول إنّ تدريس الفلسفة هو تدريس للمهارات؟ ما هي مؤشّرات تدريس الفلسفة ومستنداته؟ هل هذا يجعلنا، مرّة أخرى، أمام وضع مقلق بين دور المتفلسف ودور البيداغوجيّ؟
يبدو أنَّ التفكير في تدريس الفلسفة لا يمكن بصورة حرّة أو مطلقة من دون شروط أو نصوص منظِّمة؛ يتعيّن على مدرّس هذه المادّة أن يطّلعَ على هذه النصوص سواءً تعلّق الأمر بمنهجيّة تدريسها (المفهمة –الأشكلة – الحِجاج، كما سنوضح لاحقًا) أو تقويمها وفق مستويات مرحلة البكالوريا. من ثمّ، فدرس الفلسفة في التعليم الثانويّ هو درس في البيداغوجيا أيضًا، بخلاف المستوى الجامعيّ حيث يكون في الأفكار والنظريّات والتيّارات؛ فلكلّ مستوًى غاياته وأهدافه.
أولًا: التفاعل البيداغوجيّ والديداكتيكيّ في درس الفلسفة
التربية هي نقل القيم الأخلاقيّة والدينيّة والاجتماعيّة إلى الأجيال اللاحقة (روبول، 1994)؛ بغية تكوين حصانةٍ ضدّ من أراد أن يكسّر بنياتها ونُظمها، وقد تكون التربية بالمعنى الأكثر فاعليّة تحرير الإنسان مما يمنعه من تحقيق ذاته (الشرقي، 2017). ومما يفيدُ مدرّس الفلسفة في التعليم المدرسيّ أنّه يعي طبيعة العادات والتقاليد المقيّدة للفرد والمتعلّم، ويحتاج نقده لهذه العادات إلى تمكين المتعلّمين من معرفةٍ بانوراميّة بمفهوميّ الثقافة والطبيعة؛ ما قد يمنعهم من تبنّي أحكام جاهزة في المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة. كما يحتاج المدرّس إلى توعية المتعلّمين بأنّ تاريخ الإنسانيّة هو تاريخ اختلاف المعتقدات والأفكار والطبائع أيضًا؛ وهذا ما يجعله يمارس النقد والتحليل بمعيّة الطلّاب. لكنّ دوره يكون دورًا توجيهيًّا وإرشاديًّا للنقاش الذي تثيره التساؤلات والإشكالات المتعلّقة بالنقد. بهذا، يكون المدرّس قد حقّق ماهيّة الفلسفة التي هي المساءلة والإحراج الإشكاليّ Aporétique من دون أن يفقده ذلك خبرته البيداغوجيّة والتربويّة في تحيين القضايا وتذليلها للمتعلّمين.
ليس من المفيد أن تبقى الفلسفة خارج المؤسّسة، بل يتعيّن أن تتيح المؤسّسة التربويّة والسياسيّة فرصة ممارسة الفهم والتأويل والقراءة لنصوص فلسفيّة من مختلف الحضارات العربيّة والإسلاميّة والوسيطة والحديثة والمعاصرة. إنّها فرصةٌ لمحاولة مواجهة النصّ وتدارسه مع المتعلّم، وكذلك تجريب قدرة المدرّس على نقل المعرفة العالمة le savoir savant إلى المعرفة المدرسيّة le savoir scolaire؛ وهذا ما يسمّى النقل الديداكتيكيّ transposition didactique (جونايير وبورخت. 2011). فهل تفقد الفلسفة في هذا الوضع التعليميّ التعلّميّ (بشقّيه البيداغوجيّ والتربويّ) روحها النقديّة؟
ثانيًا: من السؤال الأيديولوجيّ إلى منطق التعلّمات
سوف نجيب عن التساؤل الأخير على مستويين: يتمثّل المستوى الأوّل في أنّ علاقة الفلسفة بالبيداغوجيا والتدريسيّة علاقة تاريخيّة. ولعلّ النموذج الأمثل في هذا السياق هو سقراط والسفسطائيّون؛ فكلاهما كان يعمل على تطوير الإشكاليّة أو الفكرة بأسلوبين مختلفين، وكلاهما يفيد المستمع والمخاطَب في تمثّل الأفكار والتصوّرات، رغم أنّ الخلفيّة الثانويّة وراء هذين الأسلوبين التدريسيّين تحمل رؤيةً مذهبيّةً قد تبدو لنا متضادّةً؛ أي نسبيّةً في الحقائق وثبوتها. لكنّ المفارقة هي أن تتّسم الفكرة بالموثوقيّة والمعقوليّة، بينما يفتقد صاحبها للأسلوب، وهذا ما يشبه الدفاع الفاشل عن قضيّة عادلة.
إنّ البيداغوجيا والتلقين ونقل المعارف من المتكلّم إلى المستمع قد لا يكون عائقًا أمام تصريف الأفكار والدفاع عنها. ومن ثمّ، فتدريس الفلسفة بطرق بيداغوجيّة معينة قد لا يفقد روح النقد لدى الفلسفة، بل تكاد تكون المشكلة الحقيقيّة هي عمليّة النقل الديداكتيكيّ للمعلومات والمكتسبات العلميّة والفكريّة والإبداعيّة، وإلّا سنكون مثل من يتّهم المرآة، ويتغافل عن اتّهام نفسه!
أما المستوى الثاني فيتعلق بأنّ تدريس الفلسفة في الكتاب المدرسيّ يحصرها في بعض المفاهيم والتفاصيل التي قد لا تكون ملائمةً لتطوّر المجتمع العربيّ وآفاقه، بل قد تكون الفلسفة في بعض الدول العربيّة غارقةً في الأيديولوجيا، كأنها تحوّلت إلى خدمة أجندات معيّنة، مع أنّ منطق الفلسفة هو غير منطق الأيديولوجيا. فضلًا عن ذلك، فإنّ بعض الممارسات المهنيّة تكون وفيّةً لرؤيتها السياسيّة والأيديولوجيّة في عمليّة بناء الدرس الفلسفيّ داخل الصفّ.

مقاولاتية4/فلسفة تطبيقية
تهدف هذه السلسلة من المحاضرات إلى تمكين طالب السنة الثانية ماستر تخصص فلسفة تطبيقية ومعاصرة خلال السداسي الثالث من اكتساب معارف حول المقاولاتية ،وأهم المقاربات النظرية التي تناولت المفهوم بالدراسة.